فهرس الكتاب
ويتمسكون تارة بشبهة عقلية، أو ذوقية، من جهة أن متأخري كل فن يحكمونه أكثر من المتقدمين. فإنهم يستفيدون علوم الأولين مع العلوم التي اختصوا بها، كما هو موجود في أهل الحساب، والطبائعيين والمنجمين وغيرهم.
/ومن جهة الذوق، وهو ما وجدوه لأواخر الصالحين، من المشاهدات العرفانية، والكرامات الخارقة، ما لم ينقل مثله عن السلف، وتارة يستدلون بشبه نقلية مثل قوله: (للعامل منهم أجر خمسين منكم) وقوله: (أمتي كالغيث لا يدرى أوله خير أم آخره) ، وهذا خلاف السنن المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن مسعود، وعمران ابن حصين ومما هو في الصحيحين، أو أحدهما، من قوله: (خير القرون القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم) وقوله: (والذي نفسي بيده، لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) وغير ذلك من الأحاديث.
وخلاف إجماع السلف: كقول ابن مسعود: إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد خير قلوب العباد، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد. وقول حذيفة: يا معشر القراء، استقيموا، وخذوا سبيل من كان قبلكم، فوالله لئن اتبعتموهم لقد سبقتم سبقًا بعيدًا، ولئن أخذتم يمينا وشمالا لقد ضللتم ضلالا بعيدا. وقول ابن مسعود: من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات، أولئك أصحاب محمد، أبر هذه الأمة قلوبًا، /وأعمقها علما، وأقلها تكلفًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه فاعرفوا لهم حقهم، وتمسكوا بهديهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم. وقول جندب وغيره مما هو كثير مكتوب في غير هذا الموضع، بل خلاف نصوص القرآن في مثل قوله: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ} الآية [التوبة: 100] ، وقوله: {لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ} الآية [الحديد: 10] ، وقوله: {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ} الآية [الحشر: 10] ، وغير ذلك، فإنه لم يكن الغرض بهذا الموضع هذه المسألة، وإنما الغرض: الكلام على خاتم الأولياء.
ومما يشبه هذا ظن طائفة كابن هود، وابن سبعين، والنفري والتلمساني: إن الشىء المتأخر ينبغي أن يكون أفضل من المتقدم، لاعتقادهم أن العالم متنقل من الابتداء إلى الانتهاء، كالصبي الذي يكبر بعد صغره، والنبات الذي ينمو بعد ضعفه، ويبنون على ذلك أن المسيح أفضل من موسى، ويبعدون ذلك إلى أن يجعلوا بعد محمد واحدًا من البشر أكمل منه، كما تقوله الإسماعيلية، والقرامطة، والباطنية، فليس على هذا دليل أصلا. إن كل من تأخر زمانه من نوع، يكون أفضل ذلك النوع، فلا هو مطرد ولا منعكس.
بل إبراهيم الخليل قد ثبت بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه خير البرية) أي بعد النبي. وكذلك قال الربيع بن خيثم: لا أفضل على نبينا أحدًا، /ولا أفضل على إبراهيم بعد نبينا أحدًا، وبعده جميع الأنبياء المتبعين لملته مثل موسى وعيسى وغيرهما، وكذلك أنبياء بني إسرائيل كلهم بعد موسى، وقد أجمع أهل الملل من المسلمين واليهود والنصارى: على أن موسى أفضل من غيره من أنبياء بني إسرائيل، إلا ما يتنازعون فيه من المسيح.
والقرآن قد شهد في آيتين لأولى العزم فقال في قوله: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} [الأحزاب: 7] ، وقال: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى} [الشورى: 13] فهؤلاء الخمسة أولو العزم، وهم الذين قد ثبت في أحاديث الشفاعة الصحاح: أنهم يترادون الشفاعة في أهل الموقف بعد آدم. فيجب تفضيلهم على بنيهم، وفيه تفضيل لمتقدم على متأخر، ولمتأخر على متقدم.