فهرس الكتاب
فهذا عند مقامه بين يديه في ملك الله ونجواه، مثال في المجلس الأعظم، فهو في منصته، والأولياء من خلفه درجة درجة، ومنازل الأنبياء مثال بين عينيه، فهؤلاء الأربعون في كل وقت هم أهل بيته. ولست أعنى من النسب، إنما أهل بيت الذكر.
فَصْل
في ظهور القدرية في آخر عهد الصحابة
ثم حدث في آخر عصر الصحابة [القدرية] ، فكانت الخوارج تتكلم في حكم اللّه الشرعي، أمره ونهيه، وما يتبع ذلك من وعده ووعيده، وحكم من وافق ذلك ومن خالفه ومن يكون مؤمنًا وكافرًا، وهي [مسائل الأسماء والأحكام] ، وسموا مُحَكّمة لخوضهم في التحكيم بالباطل، وكان الرجل إذا قال: لا حكم إلا للّه، قالوا: هو محكم أي خائض في حكم اللّه، فخاض أولئك في شرع اللّه بالباطل، وأما [القدرية] فخاضوا في قدره بالباطل.
وأصل ضلالهم ظنهم أن القدر يناقض الشرع، فصاروا حزبين حزبًا يعظمون الشرع والأمر والنهي والوعد والوعيد، واتباع ما يحبه اللّه ويرضاه وهجر ما يبغضه وما يسخطه، وظنوا أن هذا لا يمكن أن يجمع بينه وبين القدر، فقطعوا ما أمر اللّه به أن يوصل، ونقضوا عهد اللّه من بعد ميثاقه، كما قطعت الخوارج ما أمر اللّه به أن يوصل من اتفاق الكتاب والسنة وأهل الجماعة، ففرقوا بين الكتاب والسنة، وفرقوا بين الكتاب وجماعة المسلمين، وفرقوا بين المسلمين، فقطعوا ما أمر الله به أن يوصل، وكذلك [القدرية] فصاروا حزبين:
حزبًا يغلب الشرع فيكذب بالقدر وينفيه، أو ينفي بعضه.
وحزبًا يغلب القدر فينفي الشرع في الباطن أو ينفي حقيقته ويقول: لا فرق بين ما أمر اللّه به وما نهى عنه في نفس الأمر، الجميع سواء، وكذلك أولياؤه وأعداؤه، وكذلك ما ذكر أنه يحبه وذكر أنه يبغضه، لكنه فرق بين المتماثلين بمحض المشيئة يأمر بهذا وينهي عن مثله، فجحدوا الفرق والفصل الذي بين التوحيد والشرك، وبين الإيمان والكفر، وبين الطاعة والمعصية، وبين الحلال والحرام، كما أن أولئك وإن أقروا بالفرق فأنكروا الجمع، وأنكروا أن يكون اللّه على كل شىء قدير، ومنهم من أنكر أن يكون اللّه بكل شىء عليمًا، وأنكروا أن يكون خالقًا لكل شىء، وأن يكون ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنكروا أن يكون اللّه فعالا لما يشاء، وأثبتوا لغير اللّه الانفراد بالأحداث وشركاء خلقوا كخلقه، كما فعلت المجوس، واعتقدوا أنه لا يمكن الإيمان بأمره ونهيه إلا مع تعجيزه أو تجهيله، وأنه لا يمكن أن يوصف بالإحسان والكرم إن لم يجعل عاجزًا وإلا لزم أن يكون بخيلًا.
كما أن [القدرية المجبرة] قالوا: لا يمكن أن يجعل عالمًا قادرًا إلا بتسفيهه وتجويره.
فهؤلاء نفوا حكمته وعدله، وأولئك نفوا قدرته ومشيئته أو قدرته ومشيئته وعلمه، وهؤلاء ضاهوا المجوس في الإشراك بربوبيته حيث جعلوا غيره خالقًا، وأولئك ضاهوا المشركين الذين لا يفرقون بين عبادته وعبادة غيره، بل يجوزون عبادة غيره كما يجوزون عبادته، ويقولون: {لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا} الآية [الأنعام: 148] ، وهؤلاء منتهى توحيدهم توحيد المشركين وهو توحيد الربوبية، فأما توحيد الإلهية المتضمن للأمر والنهي ولكون اللّه يحب ما أمر به ويبغض ما نهي عنه ـ فهم ينكرونه ـ ولهذا هم أكثر اتباعًا لأهوائهم، وأكثر شركًا وتجويزًا من المعتزلة، ومنتهى متكلميهم وعبادهم تجويز عبادة الأصنام، وأن العارف لا يستحسن حسنة ولا يستقبح سيئة، كما ذكر ذلك صاحب منازل السائرين، وأما عبادة الأصنام