الصفحة 95 من 349

فباح بها متأخروهم كالرازي صنف فيها مصنفًا، وابن عربي وابن سبعين وأمثالهما يصرحون بجواز عبادتها، وبالإنكار على من أنكر ذلك، وهم متناقضون في ذلك.

فالقدرية أصلهم: أنه لا يمكن إثبات قدرته وحكمته؛ إذ لو كان قادرًا لفعل غير ما فعل، فلما لم يفعله دل على أنه غير قادر، وقالوا: تثبت حكمته كما يثبت حكمه؛ لأن نفي ذلك يوجب السفه والظلم وهو منزه عنه، بخلاف ما لم يقدر عليه فإنه معذور إذا لم يفعله، فلا يلام عليه. وقالت المجبرة: بل قدرته ثابتة بلا حكمة، ولا يجوز أن يفعل لحكمة؛ لأن ذلك إنما يكون لمن يحتاج إلى الفعل وهو منزه عن الحاجة، ولا عدل ولا ظلم، بل كل ما أمكن فعله فهو عدل، وليس في الأفعال ما هو حسن ينبغي الأمر به، وقبيح ينبغي النهي عنه، ولا معروف ومنكر، بل يجوز أن يأمر بكل شىء، وينهى عن كل شىء.

ثم من حقق منهم أنكر الشرع بالكلية وأنكر النبوات، مع أنه مضطر إلى أن يأمر بشىء وينهى عن شيء؛ فإن هذا لازم لجميع الخلق لا يجدون عنه محيصًا، لكن من اتبع الأنبياء يأمر بما ينفعه وينفع غيره وينهى عما يضره ويضر غيره، ومن خالف الأنبياء فلابد أن يأمر بما يضر وينهي عما ينفع فيستحق عذاب الدنيا والآخرة، وأما من كان منهم مقرًا بالنبوة فأنكر الشرع في الباطن، وقال: العارف لا يستحسن حسنة ولا يستقبح سيئة- صار منافقًا يظهر خلاف ما يبطن، ويقول الشرع لأجل المارستان؛ ولهذا يسمون [باطنية] كما سموا الملاحدة [باطنية] ، فإن كليهما يبطن خلاف ما يظهر، يبطنون تعطيل ما جاء به الرسول من الأمر والنهي.

فمنتهى الجهمية المجبرة إما مشركون ظاهرًا وباطنًا، وإما منافقون يبطنون الشرك؛ ولهذا يظنون باللّه ظن السوء، وأنه لا ينصر محمدًا وأتباعه، كما قال تعالى: {وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا} [الفتح: 6] وهم يتعلقون بقوله: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ} [الأنبياء: 32] ، وبأنه {يَفْعَلُ مَا يَشَاء} [آل عمران: 40] ، ولذلك لما ظهر المشركون التتار وأهل الكتاب كثر في عبادهم وعلمائهم من صار مع المشركين وأهل الكتاب، وارتد عن الإسلام إما باطنًا وظاهرًا، وإما باطنًا وقال: إنه مع الحقيقة، ومع المشيئة الإلهية، وصاروا يحتجون لمن هو معظم للرسل عما لا يوافق على تكذيبه بأن ما يفعله من الشرك والخروج عن الشريعة وموالاة المشركين وأهل الكتاب والدخول في دينهم ومجاهدة المسلمين معهم هو بأمر الرسول، فتارة تأتيهم شياطينهم بما يخيلون لهم أنه مكتوب من نور، وأن الرسول أمر بقتال المسلمين مع الكفار، لكون المسلمين قد عصوا.

ولما ظهر أن مع المشركين وأهل الكتاب خفراء لهم من الرجال المسمين برجال الغيب، وأن لهم خوارق تقتضى أنهم أولياء اللّه ـ صار الناس من أهل العلم ثلاثة أحزاب:

حزب يكذبون بوجود هؤلاء، ولكن عاينهم الناس، وثبت ذلك عمن عاينهم، أو حدثه الثقاة بما رأوه، وهؤلاء إذا رأوهم أو تيقنوا وجودهم خضعوا لهم.

وحزب عرفوهم ورجعوا إلى القدر، واعتقدوا أن ثم في الباطن طريقًا إلى اللّه غير طريقة الأنبياء.

وحزب ما أمكنهم أن يجعلوا أولياء اللّه خارجين عن دائرة الرسول، فقالوا: يكون الرسول هو ممدًا للطائفتين لهؤلاء وهؤلاء، فهؤلاء معظمون للرسول، جاهلون بدينه وشرعه، والذين قبلهم يجوزون اتباع دينٍ غير دينه وطريق غير طريقه.

وكانت هذه الأقوال الثلاثة بدمشق لما فتحت عَكَّة، ثم تبين بعد ذلك أن هؤلاء من أتباع الشياطين، وأن رجال الغيب هم الجن، وأن الذين مع الكفار شياطين، وأن من وافقهم من الإنس

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت