الصفحة 96 من 349

فهو من جنسهم شيطان من شياطين الإنس أعداء الأنبياء، كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} [الأنعام: 112] .

وكان سبب الضلال عدم الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، وأصله قول الجهمية الذين يسوون بين المخلوقات، فلا يفرقون بين المحبوب والمسخوط، ثم إنه بعد ذلك جرت أمور يطول وصفها.

ولما جاء قازان وقد أسلم دمشق انكشفت أمور أخرى، فظهر أن اليونسية كانوا قد ارتدوا وصاروا كفارًا مع الكفار.

وحضر عندي بعض شيوخهم واعترف بالردة عن الإسلام، وحدثني بفصول كثيرة، فقلت له ـ لما ذكر لي احتجاجهم بما جاءهم من أمر الرسول: فهب أن المسلمين كأهل بغداد كانوا قد عصوا، وكان في بغداد بضعة عشر بغيّ، فالجيش الكفار المشركون الذين جاؤوا كانوا شرًا من هؤلاء، فإن هؤلاء كن يزنين اختيارًا، فأخذ أولئك المشركون عشرات الألوف من حرائر المسلمين وسراريهم بغير اختيارهم، وردوهم عن الإسلام إلى الكفر، وأظهروا الشرك وعبادة الأصنام، ودين النصارى، وتعظيم الصليب، حتى بقى المسلمون مقهورين مع المشركين وأهل الكتاب، مع تضاعيف ما كان يفعل من المعاصي، فهل يأمر محمد صلى الله عليه وسلم بهذا ويرضى بهذا؟! فتبين له، وقال: لا واللّه! وأخبرني عن ردة من ارتد من الشيوخ عن الإسلام لما كانت شياطين المشركين تكرههم على الردة في الباطن، وتعذبهم إن لم يرتدوا، فقلت: كان هذا لضعف إيمانهم وتوحيدهم والمادة التي يشهدونها من جهة الرسول، وإلا فالشياطين لا سلطان لهم على قلوب الموحدين، وهذا وأمثاله ما كانوا يعتقدون أنهم شياطين، بل إنهم رجال من رجال الغيب الإنس وكلهم اللّه بتصريف الأمر، فبينت لهم أن رجال الغيب هم الجن، كما قال تعالى: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} [الجن: 6] ومن ظن أنهم إنس فمن جهله وغلطه، فإن الإنس يؤنسون أي يشهدون ويرون، إنما يحتجب الإنسي أحيانًا لا يكون دائمًا محتجبًا عن أبصار الإنس، بخلاف الجن فإنهم كما قال اللّه: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ} [الأعراف: 27] .

وكان غير هذا من المشايخ من يذكر عن الشيخ محمد بن السكران أن هولاكو ـ ملك المشركين ـ لما دخل بغداد رأى ابن السكران شيخًا محلوق الرأس على صورة شيخ من مشايخ الدين والطريق، آخذًا بفرس هولاكو، قال: فلما رأيته أنكرت هذا واستعظمت أن يكون شيخ من شيوخ المسلمين يقود فرس ملك المشركين لقتل المسلمين، فقلت: يا هذا - أو كلمة نحو هذا- فقال: تأمر بأمر، أو قال له: هل يفعل هذا بأمر أو فعلت هذا بأمر؟ فقلت: نعم بأمر. فسكت ابن السكران، وأقنعه هذا الجواب، وكان هذا لقلة علمه بالفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، وظن أن ما يؤمر به الشيوخ في قلوبهم هو من اللّه، وأن من قال: حدثني قلبي عن ربي، فإن اللّه هو يناجيه. ومن قال: أخذتم علمكم ميتًا عن ميت وأخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت، هو كذلك، وهذا أضل ممن ادعى الاستغناء عن الأنبياء وأنه لا يحتاج إلى واسطتهم.

وجواب هذا أن يقال له: بأمر من تأمر؟ فإن قال: بأمر اللّه، قيل: بأمر اللّه الذي بعث به رسوله وأنزل به القرآن، أم بأمر وقع في قلبك؟

فإن قال بالأول، ظهر كذبه؛ فإنه ليس فيما يأمر اللّه به رسوله أن يأتي بالكفار المشركين وأهل الكتاب لقتل المسلمين وسبيهم وأخذ أموالهم لأجل ذنوب فعلوها، ويجعل الدار تعبد بها الأوثان، ويضرب فيها بالنواقيس، ويقتل قراء القرآن وأهل العلم بالشرع، ويعظم النجسية علماء المشركين وقساقسة النصارى وأمثال ذلك؛ فإن هؤلاء أعظم عداوة لمحمد صلى الله عليه وسلم، وهم من جنس

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت