فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 10

إن حياة البرزخ بما فيها من نعيم وعذاب غيب غاب عن عقول كثير من البشر مع المدنية المعاصرة، فهذه المدنية «تقوم على تعظيم المادة وحُب الدنيا والاستكثار من اللذائذ وتوجيه كل مخترع ومكتشف إلى التسابق فيها والتنافس عليها وجمع حطامها { يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ } [الروم: 7] . هذا حال الغافلين عن مصيرهم ومآلهم.

يُروى عن عثمان - رضي الله عنه - أنه إذا وقف على قبر بكى حتى يبل لحيته.

فقيل له: تذكر الجنة والنار ولا تبكي وتبكي من هذا؟

فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن القبر أول منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده أشد منه» .

قيل لبعض الزُّهَّاد: ما أبلغ الموعظة؟ قال: النظر في محلة الأموات.

قال مجاهد: «أول ما يتكلم من ابن آدم حفرته، تقول: أنا بيت الدود، وبيت الوحدة، وبيت الوحشة، وبيت الظلمة، وبيت الغربة، هذا ما أعددته لك يا ابن آدم، فماذا أعددت لي؟

روي عن أبي الدرداء قوله: ألا أخبركم بيوم فقري؟ يوم أدخل قبري.

قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله لبعض جلسائه: يا فلان، لقد أرقت البارحة تفكرًا في القبر وساكنه، إنك لو رأيت الميت بعد ثلاث ليال في قبره لاستوحشت منه بعد طول الأنس به، ولرأيت بيتًا تجول الهوام فيه ويجري فيه الصديد وتحرقه الديدان مع تغير الريح وتقطع الأكفان، وكان ذلك بعد حسن الهيئة وطيب الريح ونقاء الثوب، ثم شهق شهقة خرَّ مغشيًا عليه.

والله لو عاش الفتى في عمره

ألفًا من الأعوام مالك أمره

متنعمًا فيها بكل لذيذة

متلذذًا فيها بسكنى قصره

لا يعتريه الهم طول حياته

كلا ولا ترد الهموم بصدره

ما كان ذلك كله في أن يفي

فيها بأول ليلة في قبره

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت