فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 13

إن (محاسبة النفس) وظيفةُ من أجلِّ وظائف الصالحين تأتي بعد وظيفة (التوبة) التي فيها تأسيس لحياة جديدة في الطاعة ولزومها وترك المعصية والمخالفة، فتكون (المحاسبة) تدقيقا وتحقيقا مع النفس في مسار سلوكها؛ لومٌ وعتاب على تقصير في أمر أو فعل لنهي، وعلى كل خاطر يخطر بعمدٍ وقصدٍ، ليكون المسير إلى رضا الله مصونًا محفوظًا، وما أسهل الحساب على مَنْ هذا شأنه وحاله.

ونستعرضُ في هذا المكتوب الوجيز معالم هذه الوظيفة العظيمة في درب السالك إلى تحصيل رضا ربه تعالى، والتي هي الخطوة الثانية بعد التوبة التي يكون بها الصدق مع الله ومع النفس.

والله الموفق لا ربَّ سواه.

تعريف المحاسبة

إن شأن المحاسبة للنفس كبير عند الصالحين، ومقامه عظيم في نفوسهم، ولأجل هذا كانوا يعملون على الإتيان به في واقع عملهم، وفي جريان حياتهم، فكانت قالاتهم المحكية عنهم، وأفعالهم المنقولة في تراجمهم تفيدنا إفادات لمعنى محاسبة النفس، والمقصد منها، والمعنى الجامع من تلك المأثورات هو: الوقوف على النفس محاسبةً لها في أداء المأمور به، وفي ترك المنهي عنه، وتكميل النقص الطارئ.

قال الحارث المحاسبي: «الرعاية لحقوق الله» (ص45) عن المحاسبة: «النظر والتثبت بالتمييز لما كره الله عزَّ وجلَّ مما أحب» .

وقد بيَّن معناها الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله: «إحياء علوم الدين» (5/138) حيث قال: اعلم أن العبد كما يكون له وقت في أول النهار يشارط فيه نفسه على سبيل التوصية في الحق، فينبغي أن يكون له في آخر النهار ساعة يطالب فيها النفس ويحاسبها على جميع حركاتها وسكناتها. اهـ.

ثم قال رحمه الله: «إحياء علوم الدين» (5/139) : رأس مال العبد في دينه الفرائض، وربحه النوافل والفضائل، وخسرانه المعاصي). اهـ.

فمن هذه المنقولات يبين لنا المعنى المراد من محاسبة النفس، والقيام عليها بالمتابعة والنظر، إذ بها يكون الظفر بالسلامة من محاسبة الآخرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت