فهرس الكتاب
وهكذا ظهر لكل ناظر منصف أن النبي الذي تنبأ عنه موسى لم تتحقق أوصافه في المسيح العظيم عليه الصلاة والسلام، وتحققت في أخيه محمد صلى الله عليهما وسلم تسليمًا كثيرًا.ومما يؤكد ذلك أنه كما لم تتوافر هذه الصفات مجتمعة في غيره، فإن اليهود لا يقولون بمجيء هذا المسيح فيما سبق، بل مازالوا ينتظرونه.إذ لما بعث يحيى عليه السلام ظنه اليهود النبي الموعود وأقبلوا عليه يسألونه"النبي أنت؟ فأجابهم: لا" (يوحنا 1/21) أي لست النبي الذي تنتظره اليهود.ثم أراد تلاميذ المسيح أن تتحقق النبوءة في المسيح، فذات مرة لما رأوا معجزاته"قالوا: إن هذا بالحقيقة النبي الآتي إلى العالم."
وأما يسوع فإذ علم أنهم مزمعون أن يأتوا ويختطفوه ليجعلوه ملكًا، انصرف أيضًا إلى الجبل وحده" (يوحنا 6/14 - 15) ، فقد أراد تلاميذ المسيح تنصيبه ملكًا ليحققوا النبوءة الموجودة لديهم عن النبي المنتظر الذي يملك ويحقق النصر لشعبه، فلما علم المسيح عليه السلام أنه ليس النبي الموعود هرب من بين أيديهم.ويرى النصارى أن ثمة إشكالًا في النص التوراتي (التثنية 18/17-22) يمنع قول المسلمين، فقد جاء في مقدمة سياق النص أن الله لما كلم موسى قال:"يقيم لك الرب إلهك نبيًا من وسطك من اخوتك مثلي.... قد أحسنوا في ما تكلموا: أقيم لهم نبيًا من وسط اخوتهم مثلك" (التثنية 18/15 - 18) فقد وصفت النبي بأنه"من وسطك"أي من بني إسرائيل، ولذا ينبغي حمل المقطع الثاني من النص على ما جاء في المقطع الأول، فالنبي"من وسطك"أو كما جاء في بعض التراجم"من بينك"أي أنه إسرائيلي."
لكن التحقيق يرد هذه الزيادة التي يراها المحققون تحريفًا، بدليل أن موسى لم يذكرها، وهو يعيد خبر النبي على مسامع بني إسرائيل، فقال:"قال لي الرب قد أحسنوا فيما تكلموا، أقيم لهم نبيًا من وسط اخوتهم مثلك" (التثنية 18/17-18) ، ولو كانت من كلام الله لما صح أن يهملها.