فهرس الكتاب

الصفحة 97 من 185

وأعلم أن هذا معلوم البطلان ببديهة العقل ، فإن الثلاثة لا تكون واحدًا ، والواحد لا يكون ثلاثة ، ولا يرى في الدنيا مقالة أشد فسادًا ، وأظهر بطلانا من مقالة النصارى .ويقول القرطبي: قوله: ( لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ ) أي أحد ثلاثة . وهذا قول فرق النصارى من الملكية والنسطورية واليعقوبية ، لأنهم يقولون: أب وابن وروح القدس ، إله واحد ، ولا يقولون ثلاثة آلهة وهو معنى مذهبهم ، وإنما يمتنعون من العبارة وهي لازمة لهم . وما كان هكذا صح أن يحكى بالعبارة اللازمة ، وذلك أنهم يقولون: أن الابن إله ، والأب إله ، وروح القدس إله ، فأكفرهم الله بقولهم هذا ، وقوله: ( وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِد ٌ) أي أن الإله لا يتعدد . وقوله تعالى: ( وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ ) أي يكفوا عن القول بالتثليث ليمسنهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة .

من العجيب أن المسيحيين مع إيمانهم بهذه العقيدة - رغم بطلانها - يقرون بأنها فوق طاقة العقل البشري ، وفوق إدراكه ، وأنه من الصعب عليهم أن يحاولوا فهم هذا الأمر بعقولهم القاصرة ، وأن كل ما يمكنهم إيضاحه حول كيفية وجود ذات الله في ثلاثة أقانيم وأن كلا منهم ممتاز عن الآخر في الاقنومية لا في الجوهر ، فهم جوهر واحد ، وطبيعة واحدة ، وإله واحد ، ولكل واحد منها صفات اللاهوت ...

وقد حاول علماؤهم وفلاسفتهم مرارًا وتكرارًا إيضاح ثالوث الوحدانية هذا فلم يفلحوا ، لأن ذلك فوق طاقة عقولهم ، وصرحوا بأنه سر من الأسرار الإلهية يستحيل فهمه وإدراكه ، ولا يجوز لهم أن يتفلسفوا في تفكيك هذا السر أو تحليله ، أو يلصقوا به أفكار من عندياتهم ، وكل من يحاول إدراك هذا السر الثالوثي فهو كمن يحاول أن يضع مياه المحيطات كلها في كفة . يقول الدكتور دونالد يماري:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت