فهرس الكتاب

الصفحة 103 من 210

وروى عن الثوري أنه بلغه أن أم ولد الربيع بن خثيم قالت (كان إذا جاءه السائل يقول لي: يا فلانة أعطي السائل سكرًا فإن الربيع يحب السكر) قال سفيان يتأول قوله جل وعز (لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّون) .

وروي عن عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - (أنه كان يشتري أعدالًا من السكر ويتصدق بها. فقيل له: هلا تصدقت بقيمتها؟ فقال: لأن السكر أحب إليَّ فأردت أن أنفق مما أحب) .

وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: (لما نزلت هذه الآية(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ) كان ثابت بن قيس بن شماس رفيع الصوت فقال: أنا الذي كنت أرفع صوتي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا من أهل النار حبط عملي وجلس في أهله حزينًا، ففقده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فانطلق بعض القوم إليه فقالوا له: تفقدك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مالك؟ قال أنا الذي أرفع صوتي فوق صوت النبي وأجهر له بالقول حبط عملي أنا من أهل النار، فأتوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبروه بما قال فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لا، بل هو من أهل الجنة، قال أنس - رضي الله عنه - فكنا نراه يمش بين أظهرنا ونحن نعلم أنه من أهل الجنة. فلما كان يوم اليمامة كان فينا بعض الانكشاف، فجاء ثابت بن قيس بن شماس وقد تحنط ولبس كفنه، فقال: بئسما تعودون أقرانكم، فقاتلهم حتى قُتِلَ - رضي الله عنه -) رواه أحمد في المسند واللفظ له، ومسلم نحوه.

هكذا كان السلف الصالح من الصحابة والتابعين إذا سمعوا آيات الله ظنوا أنها ما أنزلت إلا فيهم، وما تخاطب إلا هم أما نحن فشتان ما بيننا وبينهم نسمع آيات الله ونظن أنها نزلت لغيرنا، فكان هذا حال السلف وهذا حالنا فإلى الله المشتكى.

عن معقل بن يسار أنها نزلت فيه (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ... ) قال: زوجت أختًا لي من رجل فطلقها حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها، فقلت له زوجتك وأفرشتك وأكرمتك فطلقتها ثم جئت تخطبها، لا والله لا تعود إليك أبدًا، وكان رجلًا لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه، فأنزل الله هذه الآية ( ... فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ .. ) فقلت: الآن أفعل يا رسول الله! قال: فزوجها إياه).

وفي رواية أبي مسلم الكجي من طريق مبارك بن فضالة عن الحسن (فسمع ذلك معقل بن يسار فقال: سمعًا لربي وطاعة، فدعا زوجها فزوجها إياه) رواه البخاري.

51 -وعن ابن مسعود - رضي الله عنه: أن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -، قَال (إنَّهَا سَتَكونُ بَعْدِي أثَرَةٌ وأُمُورٌ تُنْكِرُونَها! ) ) قَالُوا: يَا رَسُول الله، فَمَّا تَأْمُرُنا؟ قَالَ: (( تُؤَدُّونَ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْكُمْ، وَتَسأَلُونَ الله الَّذِي لَكُم) مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

(( وَالأَثَرَةُ ) ): الانْفِرادُ بالشَّيءِ عَمنَ لَهُ فِيهِ حَقٌّ.

52 -وعن أبي يحيى أُسَيْد بن حُضَير - رضي الله عنه - (أنَّ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ، قَالَ: يَا رسولَ الله، ألاَ تَسْتَعْمِلُني كَمَا اسْتَعْمَلْتَ فُلانًا، فَقَالَ: (( إنكُمْ سَتَلْقَونَ بَعْدِي أَثَرَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوني عَلَى الحَوْض) مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

(( وَأُسَيْدٌ ) ): بضم الهمزة. (( وحُضيْرٌ ) ): بحاءٍ مهملة مضمومة وضاد معجمة مفتوحة

(بَعْدِي أثَرَةٌ) عرفها المصنف - رحمه الله - بقوله: الانْفِرادُ بالشَّيءِ عَمنَ لَهُ فِيهِ حَقٌّ.

قال السندي: أي إن الأمراء بعدُ يفضلون عليكم غيركم.

(وعن أبي يحيى أُسَيْد بن حُضَير) صحابي جليل.

(أنَّ رَجُلًا مِنَ الأنْصار) قال الحافظ: لم أقف على اسمه، عند مسلم (فخلا برسول الله - صلى الله عليه وسلم -) .

1 -الحديث دليل على علم من أعلام النبوة، حيث أخبر - صلى الله عليه وسلم - أنه ستكون بعده أثرة.

2 -الحديث دليل على وجوب الصبر على ظلم الولاة وعدم الخروج عليهم، وذلك لسببين:

الأول: لما ينتج من ذلك من فساد كبير وفتنة عظيمة.

ثانيًا: أن أكثر من يخرج عن ولاة الأمور إنما يخرجون لأجل الدنيا لا لله.

قال النووي: وَفِيهِ الْحَثّ عَلَى السَّمْع وَالطَّاعَة، وَإِنْ كَانَ الْمُتَوَلِّي ظَالِمًا عَسُوفًا، فَيُعْطَى حَقّه مِنْ الطَّاعَة، وَلَا يُخْرَج عَلَيْهِ وَلَا يُخْلَع؛ بَلْ يُتَضَرَّع إِلَى اللَّه تَعَالَى فِي كَشْف أَذَاهُ، وَدَفْع شَرّه وَإِصْلَاحه،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت