تَعَالَى صَارَ طَاعَة، وَيُثَاب عَلَيْهِ، وَقَدْ نَبَّهَ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى هَذَا بِقَوْله - صلى الله عليه وسلم: حَتَّى اللُّقْمَة تَجْعَلهَا فِي فِي اِمْرَأَتك. لِأَنَّ زَوْجَة الْإِنْسَان هِيَ مِنْ أَخَصّ حُظُوظه الدُّنْيَوِيَّة وَشَهَوَاته وَمَلَاذه الْمُبَاحَة، وَإِذَا وَضَعَ اللُّقْمَة فِي فِيهَا فَإِنَّمَا يَكُون ذَلِكَ فِي الْعَادَة عِنْد الْمُلَاعَبَة وَالْمُلَاطَفَة وَالتَّلَذُّذ بِالْمُبَاحِ، فَهَذِهِ الْحَالَة أَبْعَد الْأَشْيَاء عَنْ الطَّاعَة وَأُمُور الْآخِرَة، وَمَعَ هَذَا فَأَخْبَرَ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ إِذَا قَصَدَ بِهَذِهِ اللُّقْمَة وَجْه اللَّه تَعَالَى، حَصَلَ لَهُ الْأَجْر بِذَلِكَ، فَغَيْر هَذِهِ الْحَالَة أَوْلَى بِحُصُولِ الْأَجْر إِذَا أَرَادَ وَجْه اللَّه تَعَالَى.
وقال الشيخ ابن عثيمين: إذا فعل المباح ولم ينوِ أنه عبادة فليس فيه أجر، إلا إذا كان فيه نفع متعدٍ، مثل: أن يطعم الإنسان أهله الذين تجب عليه نفقتهم فيطعمهم، فهنا قد لا يستحضر النية ويكون له الأجر، وكذلك من زرع حبًا أو غرس نخلًا فأصاب منه طير أو دابة أو إنسان فإنه يكتب له الأجر.
ولذلك كان ابن عباس -رضي الله عنهما- يقول: أحتسب على الله نومتي، كما أحتسب على الله قومتي.
ولهذا قال بعض أهل العلم: عبادات أهل الغفلة عادات، وعادات أهل اليقظة عبادات.
قَال عَبدُ اللَّه بنُ الإمَام أحمد لِأبيه يومًا: أوصني يا أبتِ فقال: يَا بُني انو الخَير فإِنك لا تزالُ بخير ما نَوَيْتَ الخَير.
قال ابن القيم وغيره: العارفون بالله عاداتهم عبادات، والعامة عباداتهم عادات.
قال ابن رجب: قال زيد الشامي: إني أحب أن تكون لي نية في كل شيء حتى في الطعام والشراب.
وقال داود الطائي: رأيت الخير كله إنما يجمعه حسن النية، وكفاك بها خيرًا وإن لم تنصب.
وقال بعض السلف: من سره أن يكمل له عمله فليحسن نيته، فإن الله يأجر العبد إذا أحسن نيته حتى باللقمة.
قال ابن رجب: وقد صحَّ الحديث بأنَّ نفقة الرجل على أهله صدقة، ففي الصحيحين عن أبي مسعود الأنصاري، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال (نفقةُ الرجل على أهله صدقةٌ) ، وفي روايةٍ لمسلم (وهو يحتسبها) ، وفي لفظٍ للبخاري (إذا أنفقَ الرجلُ على أهله وهو يحتسبها، فهو له صدقة) ، فدل على أنّه إنَّما يؤجرُ فيها إذا احتسبها عند الله كما في حديث سعد بن أبي وقاص، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال (إنَّك لن تُنفِق نفقةً تبتغي بها وجهَ الله إلاَّ أُجِرْتَ عليها، حتَّى اللُّقمة ترفعُها إلى في امرأتك) .
وفي صحيح مسلم عن ثوبان، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال (أفضلُ الدنانير دينارٌ ينفقُه الرَّجُل على عيالِه، ودينارٌ ينفقه على فرسٍ في سبيل الله، ودينارٌ ينفقه الرجل على أصحابه في سبيل الله) قال أبو قِلابة عند رواية هذا الحديث: بدأ بالعيال، وأيُّ رجلٍ أعظمُ أجرًا من رجلٍ ينفقُ على عيالٍ له صغار يُعِفُّهم الله به، ويُغنيهم الله به.
وفيه أيضًا عن سعد، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال (إنَّ نفقتك على عيالِكَ صدقة، وإنَّ ما تأكلُ امرأتُك من مالك صدقة) . وهذا قد ورد مقيدًا في الرواية الأخرى بابتغاء وجه الله.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال (دينار أنفقتَه في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدَّقت به على مسكينٍ، ودينارٌ أنفقته على أهلك، أفضلُها الدِّينارُ الذي أنفقته على أهلك) .
وخرَّج الإمام أحمد من حديث المقدام بن معدي كرب، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال (ما أَطْعَمْتَ نفسَك، فهو لك صدقة، وما أطعمت ولدكَ، فهو لك صدقة، وما أطعمت زوجتك، فهو لك صدقة، وما أطعمت خادمَك، فهو لك صدقة) .
وفي هذا المعنى أحاديثُ كثيرة يطول ذكرها.
وفي الصحيحين عن أنس، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال (ما مِنْ مسلمٍ يَغرسُ غَرْسًا، أو يزرعُ زرعًا، فيأكلُ منه إنسانٌ، أو طيرٌ، أو دابَّةٌ، إلا كان له صدقةٌ) .
وفي صحيح مسلم عن جابر، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال (ما من مسلمٍ يغرسُ غَرْسًا إلا كان ما أكلَ منه له صدقة، وما سُرِقَ منه له صدقة، وما أَكَلَ السَّبعُ منه فهو له صدقة، وما أكلتِ الطَّير فهو له صدقةٌ، ولا يرزؤُه أحدٌ إلا كان له صدقة) ، وفي روايةٍ له أيضًا (فيأكل منه إنسانٌ، ولا دابةٌ، ولا طائرٌ إلاَّ كان له صدقة إلى يوم القيامة) .