فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 210

إنْ تَذَرْ وَرَثَتَكَ أغنِيَاءَ خيرٌ مِنْ أنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يتكفَّفُونَ النَّاسَ، وَإنَّكَ لَنْ تُنفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغي بِهَا وَجهَ اللهِ إلاَّ أُجِرْتَ عَلَيْهَا حَتَّى مَا تَجْعَلُ في فِيِّ امْرَأَتِكَ )) ، قَالَ: فَقُلتُ: يَا رسولَ اللهِ، أُخلَّفُ بعدَ أصْحَابي؟ قَالَ: (( إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعملَ عَمَلًا تَبتَغي بِهِ وَجْهَ اللهِ إلاَّ ازْدَدتَ بِهِ دَرَجةً ورِفعَةً، وَلَعلَّكَ أنْ تُخَلَّفَ حَتّى يَنتَفِعَ بِكَ أقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخرونَ. اللَّهُمَّ أَمْضِ لأصْحَابي هِجْرَتَهُمْ ولاَ تَرُدَّهُمْ عَلَى أعقَابهمْ، لكنِ البَائِسُ سَعدُ بْنُ خَوْلَةَ ) )يَرْثي لَهُ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أنْ ماتَ بمَكَّة) مُتَّفَقٌ عليهِ.

(سعْدِ بْنِ أبي وَقَّاص) أحد العشرة المبشرين بالجنة، مات بالعقيق سنة (55) هـ.

(جاءني رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَعُودُنِي) أي: يزوروني، وفي رواية للبخاري (من وجع أشفيتُ منه على الموت) أي: قاربت الموت من أجل شدته.

(عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ) وفي الرواية الأخرى (وأنا بمكة) وحجة الوداع كانت في العام العاشر للهجرة، وسميت بذلك لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ودع الناس فيها، قال في الفتح: واتفق أصحاب الزهري على أن ذلك في حجة الوداع إلا ابن عيينة فقال (في فتح مكة) أخرجه الترمذي وغيره من طريقه، واتفق الحفاظ على أنه وهِم فيه.

(وَأَنَا ذُو مالٍ) أي عندي مال كثير.

(وَلا يَرِثُني إلا ابْنَةٌ لي) أي ليس لي وارث إلا هذه البنت، قال النووي: معناه لا يرثني من الولد أو من خواص الورثة، أو من النساء، وإلا فقد كان لسعد عصبات، لأنه من بني زهرة وكانوا كثيرًا.

(أفأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي) أي اثنين من ثلاثة، والمراد الوصية، ففي الرواية الأخرى (أوصي بمالي كله) .

(قَالَ: لا) أي: لا ينبغي لك أن تتصدق بثلثي مالك.

(قُلْتُ: فالشَّطْرُ) أي: في النصف.

(قُلْتُ: فالثُّلُثُ يَا رَسُولَ اللهِ؟) أي: أتصدق بالثلث.

(قال: الثُّلُثُ والثُّلُثُ كَثيرٌ) وفي رواية عند البخاري (قال: الثلث يا سعد، والثلث كثير) .

(إنَّكَ إنْ تَذَرْ) أي: تترك.

(عَالَةً) أي: فقراء.

(يتكفَّفُونَ النَّاسَ) أي يسألون الناس بأكفِهم، قال القرطبي (يتكففون الناس) يسألون الصدقة من أكف الناس، أو يسألونهم بأكفهم.

(أُخلَّفُ بعدَ أصْحَابي؟) أي: أترك في مكة بعد انصرافهم عنها.

(لعلك أن تخلف) تخلف هنا غير تخلف الأولى، فالمراد هنا: لعلك أن تخلف: أي يطيل عمرك، وهذا الذي وقع، فإن سعدًا عمر زمنًا طويلًا، حتى ذكر العلماء أنه خلّف سبعة عشر ذكرًا واثنتي عشرة بنتًا، وفي رواية (وعسى الله أن يرفعك) أي: يطيل عمرك، وكذلك اتفق، فإنه عاش بعد ذلك أزيد من أربعين سنة، بل قريبًا من خمسين.

(حَتّى يَنتَفِعَ بِكَ أقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخرونَ) أي: ينتفع بك المسلمون بالغنائم، مما سيفتح الله على يديك من بلاد الشرك، ويُضر بك المشركون الذين يهلكون على يديك.

(اللَّهُمَّ أَمْضِ) أتمم.

(لكنِ البَائِسُ) من اشتدت حاجته واشتد حزنه.

(سَعدُ بْنُ خَوْلَةَ) من المهاجرين السابقين، شهد بدرًا، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا الكلام توجع وحزن له لكونه مات بمكة، وكانوا يكرهون الإقامة في الأرض التي هاجروا منها وتركوها لله مع حبهم لها.

1 -الحديث على فضل النية الصالحة في جميع الأعمال، حتى في المباحات لقوله (وَإنَّكَ لَنْ تُنفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغي بِهَا وَجهَ اللهِ إلاَّ أُجِرْتَ عَلَيْهَا حَتَّى مَا تَجْعَلُ في فِيِّ امْرَأَتِكَ) .

2 -الحديث دليل على أنه ينبغي للإنسان أن يحتسب في كل عمل عمله النية الصالحة، فإن المباحات تنقلب بالنيات طاعات.

قال النووي رحمه الله في شرح حديث (أيأتي أحدنا شهوته ... ) وَفِيهِ: أَنَّ الْمُبَاح إِذَا قَصَدَ بِهِ وَجْه اللَّه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت