(فَأَتَيْتُهُ بِهَا) أي: فأتيت أبي بالدنانير المذكورة.
(فقالَ: واللهِ، مَا إيَّاكَ أرَدْتُ) بهذه الدنانير المتصدق بها.
(لكَ مَا نَوَيْتَ يَا يزيدُ) أي ثوابه.
(ولَكَ ما أخَذْتَ يَا مَعْنُ) لكونك قبضتها قبضًا صحيحًا.
1 -الحديث دليل على أن المتصدق إذا أخرج صدقته لله مجتهدًا في إخراجها، فإنه ينال ثوابها سواء وقعت في يد مستحقها أم لا.
2 -الحديث دليل على أن من دفع زكاته لفقير يظنه غنيًا فإن ذلك يجزئه، وهذا القول هو الصحيح من أقوال أهل العلم.
لقوله تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) .
ولحديث أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ (قَالَ رَجُلٌ لأَتَصَدَّقَنَّ اللَّيْلَةَ بِصَدَقَةٍ فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ زَانِيَةٍ فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ اللَّيْلَةَ عَلَى زَانِيَةٍ. قَالَ اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى زَانِيَةٍ لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ. فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ غَنِىٍّ فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ عَلَى غَنِىٍّ. قَالَ اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى غَنِىٍّ لأَتَصَدَّقَنَّ بِصَدَقَةٍ. فَخَرَجَ بِصَدَقَتِهِ فَوَضَعَهَا فِي يَدِ سَارِقٍ فَأَصْبَحُوا يَتَحَدَّثُونَ تُصُدِّقَ عَلَى سَارِقٍ. فَقَالَ اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ عَلَى زَانِيَةٍ وَعَلَى غَنِىٍّ وَعَلَى سَارِقٍ. فَأُتِىَ فَقِيلِ لَهُ أَمَّا صَدَقَتُكَ فَقَدْ قُبِلَتْ أَمَّا الزَّانِيَةُ فَلَعَلَّهَا تَسْتَعِفُّ بِهَا عَنْ زِنَاهَا وَلَعَلَّ الْغَنِىَّ يَعْتَبِرُ فَيُنْفِقُ مِمَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ وَلَعَلَّ السَّارِقَ يَسْتَعِفُّ بِهَا عَنْ سَرِقَتِهِ) متفق عليه.
ولحديث الباب.
جاء في الروض مع حاشيته: إذا دفعها لغني ظنه فقيرًا فتجزئه، وهو مذهب أبي حنيفة، وأحد القولين عن الشافعي، واختاره أكثر الأصحاب، وجزم به في الوجيز، للمشقة، ولخفاء ذلك عادة.
ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطى الرجلين الجلدين، وقال: إن شئتما أعطيتكما منها، ولا حظ فيها لغني، ولا لقوي مكتسب. رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي وغيرهم، من حديث عبيد الله بن عدي بن الخيار أن رجلين أخبراه أنهما أتيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسألانه من الصدقة، فقلب فيهما البصر، ورآهما جلدين ... الحديث، وللنسائي، في الذي وضعها في يد غني قال: قد تقبلت. وتقدم حديث الذي أخذ ولده صدقته، فقال - صلى الله عليه وسلم: لك ما نويت، وله ما أخذ.
قال ابن رجب وغيره: ولهذا لو دفع صدقته إلى من يظنه فقيرًا، وكان غنيًا في نفس الأمر، أجزأته على الصحيح، لأنه إنما دفع إلى من يعتقد استحقاقه، والفقر أمر خفي، لا يكاد يطلع على حقيقته.
3 -الحديث دليل على أنه يجوز التوكيل في توزيع الصدقة، والوكالة جائزة بالكتاب والسنة والإجماع.
قال تعالى (وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ) .
وقال سليمان للهدهد (اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ) .
وقال - صلى الله عليه وسلم - (واغد يا أنيْس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها) .
تجوز في كل شيء: في البيع والشراء والطلاق والنكاح وغيرها.
وهناك ثلاثة أشياء لا يصح فيها التوكيل وهي: الظهار، واللعان، والإيْمان.
لأن هذا الأشياء تتعلق بنفس الشخص، فالوكيل لا يستطيع أن يفعلها.
4 -الحديث دليل على جواز التحاكم بين الأب وابنه وأن ذلك بمجرده لا يكون عقوقًا.
5 -الحديث دليل على جواز الحلف من غير استحلاف.
6 -الحديث دليل على مشروعية وفضل الصدقة.
7 -الحديث دليل على جواز الصدقة في المسجد.
6 -وعن أبي إسحاقَ سَعدِ بنِ أبي وَقَّاصٍ مالِكِ بنِ أُهَيْب بنِ عبدِ منافِ بنِ زُهرَةَ بنِ كلابِ بنِ مُرَّةَ بنِ كعبِ بنِ لُؤيٍّ القُرشِيِّ الزُّهريِّ - رضي الله عنه -، أَحَدِ العَشَرَةِ المشهودِ لهم بالجنةِ - رضي الله عنهم -، قَالَ (جاءنِي رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَعُودُنِي عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بي، فقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنِّي قَدْ بَلَغَ بي مِنَ الوَجَعِ مَا تَرَى، وَأَنَا ذُو مالٍ وَلا يَرِثُني إلا ابْنَةٌ لي، أفأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَيْ مَالِي؟ قَالَ:(( لا ) )، قُلْتُ: فالشَّطْرُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فقَالَ: (( لا ) )، قُلْتُ: فالثُّلُثُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: (( الثُّلُثُ والثُّلُثُ كَثيرٌ - أَوْ كبيرٌ - إنَّكَ