خامسًا: حديث أبي هريرة - صلى الله عليه وسلم - قال (أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: قد ذهب أهل الدثور بالدرجات العُلى، والنعيم المقيم. فقال: وما ذاك؟ قالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: أفلا أعلمكم شيئًا تدركون به من سبقكم، وتسبقون به مَنْ بعدكم؟! ولا يكون أحدٌ أفضلَ منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم، قالوا: بلى يا رسول الله! قال: تسبحون، وتكبرون، وتحمدون في دبر كل صلاةٍ ثلاثًا وثلاثين مرة , قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا، ففعلوا مثله. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) .
وجه الاستدلال: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر بأنَّ من فعل الصدقة والعتق مع العمل الذي أرشد إليه فقراء المهاجرين بأنه أفضل من فقراء المهاجرين الذين لا يجدون ما يتصدقون به ويعتقون مع حرصهم على ذلك، فقال: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
سادسًا: أنَّ من مقتضى حكمة الله وعدله - سبحانه - أنْ لا يساوى القائم بالعمل والطاعة بغيره ممن همَّ بالعمل دون أن يعمله - وإن كان من أهل الأعذار - من كل وجهٍ؛ فيتميز العامل بالمضاعفة.
وبهذا الذي اخترناه - بإذن الله - تجتمع به النصوص، وتتفق الأدلة، وتستقيم الدلالة دون معارضة، والله أعلم.
ولذلك جاء في الحديث عندما ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - الرجل أعطاه الله مالًا فهو ينفقه في سبل الخير، وكان رجل فقير يقول: لو أن لي مال فلان لعملت فيه عمل فلان، قال النبي - صلى الله عليه وسلم: فهو بنيته فهما في الأجر سواء. رواه أحمد. فقوله (في الأجر سواء) أي سواء في أجر النية.
فإن قال قائل: متى يكتب أجر العمل كاملًا؟ الجواب: إذا كان من عادته أن يعمل هذا العمل ثم عجز عنه لعذر فإنه يكتب له الأجر كاملًا لقوله - صلى الله عليه وسلم - (إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا) رواه البخاري.
3 -وفيه أنَّ النية الصالحة تبلغ ما يبلغ العمل، وأنَّ من فضل الله - عز وجل - إثابة العبد إذا عجز عن القربة والطاعة مع عزمه عليها.
قال ابن المبارك: رب عمل قليل تكبره النية.
وقال بعض السلف: أخلص النية يكفك القليل من العمل.
وقال داود الطائي: رأيت الخير كله إنما يجمعه حسن النية.
وقال يحيي بن أبي كثير: تعلموا النية فإنها أبلغ من العمل.
وأوصى الإمام أحمد ابنه بالخير وقال: إنك ما تزال بخير ما نويت الخير.
4 -وفيه أنَّ من خصائص دين الإسلام: اليسر، والسماحة، ورفع الحرج؛ حيث رفع الحرج عمن منعه من الخروج للجهاد عذرٌ.
5 -الحديث دليل على أن المجاهد يكتب له أجر ممشاه، ويدل لهذا قوله تعالى (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئًا يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) .
6 -الحديث دليل على فضل الجهاد في سبيل الله.
5 -وعن أبي يَزيدَ مَعْنِ بنِ يَزيدَ بنِ الأخنسِ - رضي الله عنهم -، وهو وأبوه وَجَدُّه صحابيُّون، قَالَ: كَانَ أبي يَزيدُ أخْرَجَ دَنَانِيرَ يَتَصَدَّقُ بِهَا، فَوَضعَهَا عِنْدَ رَجُلٍ في الْمَسْجِدِ، فَجِئْتُ فأَخذْتُها فَأَتَيْتُهُ بِهَا. فقالَ: واللهِ، مَا إيَّاكَ أرَدْتُ، فَخَاصَمْتُهُ إِلى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقَالَ: (( لكَ مَا نَوَيْتَ يَا يزيدُ، ولَكَ ما أخَذْتَ يَا مَعْنُ ) )رواهُ البخاريُّ.
(فَوَضعَهَا عِنْدَ رَجُلٍ في الْمَسْجِدِ) في السياق حذف تقديره: وأذن له أن يتصدق بها على محتاج إليها إذنًا مطلقًا.
(فَجِئْتُ فأَخذْتُها) أي: من المأذون له في التصدق بها بإذنه لا بطريق الاعتداء.