فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 210

تَبَارَكَ وتَعَالى عِنْدَهُ حَسَنَةً كامِلَةً، وَإنْ هَمَّ بهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللهُ عَشْرَ حَسَناتٍ إِلى سَبْعمئةِ ضِعْفٍ إِلى أَضعَافٍ كَثيرةٍ، وإنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللهُ تَعَالَى عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلةً، وَإنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللهُ سَيِّئَةً وَاحِدَة) مُتَّفَقٌ عليهِ.

الحالة الثانية: أن يقترن بالنية قولٌ أو سعيٌ بأسبابها، ولكن لم يدرك هذا العمل.

فهذا وقع فيه نزاع بين أهل العلم على ثلاثة أقوال:

القول الأول: أنه يكتب له الأجر كاملًا مع المضاعفة.

وهو اختيار القرطبي في أحكام القرآن، والقرطبي في المفهم.

القول الثاني: أنَّ له أجر النية فقط.

وهو اختيار السبكي الكبير - فيما نقله ابن حجر في الفتح ولم يتعقبه ابن حجر - فلعله يرى رأيه! وهو اختيار الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله - في شرح رياض الصالحين.

القول الثالث: أنه يكتب له أجر النية مع العمل دون المضاعفة.

وهو اختيار ابن رجب - رحمه الله - في جامع العلوم والحكم.

ولعل القول الثالث هو الراجح - والله أعلم -، وذلك لما يلي:

أولًا: قال تعالى (لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا) .

وجه الاستدلال: أن الله - سبحانه - نفى في هذه الآية التسوية بين المؤمنين القاعدين عن الجهاد وبين المجاهدين، ثم أخبر عن تفضيل المجاهدين على القاعدين من أولي الضرر بدرجة، وتفضيل المجاهدين على القاعدين من غير أولي الضرر بدرجات

قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: القاعدون المفضَّل عليهم المجاهدون درجة هم القاعدون من أهل الأعذار، والقاعدون المفضَّل عليهم المجاهدون درجات هم القاعدون من غير أهل الأعذار.

ثانيًا: قوله تعالى (وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) .

وجه الاستدلال: أنَّ من خرج مهاجرًا ثم مات قبل أن تتم هجرته فإنَّ له أجر المهاجر الذي تمت هجرته؛ ولا يحصل على أجر المضاعفة بدليل ما سيأتي في الذي بعده، أو يقال: إن هذه المسألة خارج البحث، وذلك أنَّ هذه المسألة فيمن بدأ بالعمل وشرع فيه ثم أدركته المنية فيحصل على أجر العمل مع المضاعفة

ثالثًا: قوله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث (إلا شركوكم في الأجر) .

وجه الاستدلال: أنَّ قوله - صلى الله عليه وسلم - (ما سرنا مسيرًا، ولا قطعنا واديا ً) وفي اللفظ الآخر (ما سلكنا شعبًا) يدل على أنَّ لهم أجر هذه الأعمال ولم يتعرض للمضاعفة، فإذا نظرنا إلى حديث ابن عباس - رضي الله عنهما - المتقدم: ... فمن همَّ بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعافٍ كثيرة ... ، اتضح لنا أنَّ المضاعفة معلَّقة على مباشرة العمل والفعل، وهذا الذي من أهل الأعذار لم يباشر العمل وإن همَّ به، فلا يحصل إلا على أجر العمل فقط.

رابعًا: حديث أبي كبشة الأنماري - رضي الله عنه - مرفوعًا ( ... إنما الدنيا لأربعة نفر: عبدٍ رزقه الله مالًا وعلمًا فهو يتقي ربه فيه، ويصل به رحمه، ويعلم لله فيه حقًا فذا بأفضل المنازل، وعبدٍ رزقه الله علمًا ولم يرزقه مالًا فهو صادق النية يقول: لو أنَّ لي مالًا لعملت فيه بعمل فلان؛ فهو بنيته فأجرهما سواء، وعبدٍ رزقه الله مالًا ولم يرزقه علمًا فهو يُخْبَطُ في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم لله فيه حقًا؛ فهذا بأخبث المنازل، وعبدٍ لم يرزقه الله مالًا ولا علمًا، فهو يقول: لو أنَّ لي مالًا لعملت فيه بعمل فلانٍ؛ فهو بنيته، فوزرهما سواء) .

وجه الاستدلال: أنَّ قوله - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث (فهو بنيته، فأجرهما سواء) أي: أنَّ نيته الصادقة أبلغته أجر من جمع بين العلم والمال، ونقول: أنَّ أجر العمل ثابت بنص هذا الحديث دون المضاعفة، لما سبق بيانه في الذي قبله، ولما في الحديث الآتي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت