فهرس الكتاب
وأما زيادة المضاعفة على العشر لمن شاء الله أن يضاعف له تكون حسب الإخلاص والإحسان في العمل.
كما قال تعالى (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) .
وعن ابن مسعود قال (جاء رجل بناقة مخطومة، فقال: يا رسول الله! هذه في سبيل الله، فقال: لك بها يوم القيامة سبعمائة ناقة) رواه مسلم.
وفي حديث الصيام (قال تعالى: إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به) متفق عليه.
قال ابن رجب: إن مضاعفة الحسنات زيادة على العشر تكون بحسب حسن الإسلام، ويكون بحسب كمال الإخلاص، وبحسب فضل ذلك العمل في نفسه، وبحسب الحاجة إليه.
وقال الشيخ ابن عثيمين: (إلى سبعمائة ضعف) وهذا تحت مشيئة الله تعالى، فإن شاء ضاعف هذا، وإن شاء لم يضاعف.
قال ابن تيمية: وفي الصحيحين (إن امرأة بغيا رأت كلبًا في يوم حار يطيف ببئر قد أدلع لسانه من العطش فنزعت له موقها فسقته به فغفر لها) وفي لفظ في الصحيحين (أنها كانت بغيًا من بغايا بني إسرائيل) .
وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (بينما رجل يمشي في طريق وجد غصن شوك على الطريق فأخره فشكر الله له فغفر له) .
فهذه سقت الكلب بإيمان خالص كان في قلبها فغفر لها، وإلا فليس كل بغي سقت كلبًا يغفر لها.
وكذلك هذا الذي نحَّى غصن الشوك عن الطريق , فعله إذ ذاك بإيمان خالص وإخلاص قائم بقلبه , فغفر له بذلك، فإن الأعمال تتفاضل بتفاضل ما في القلوب من الإيمان والإخلاص , وإن الرجلين ليكون مقامهما في الصف واحدًا وبين صلاتيهما كما بين السماء والأرض , وليس كل من نحَّى غصن شوك عن الطريق يغفر له.
وقال: والمقصود أن فضل الأعمال وثوابها ليس لمجرد صورها الظاهرة , بل لحقائقها التي في القلوب , والناس يتفاضلون في ذلك تفاضلًا عظيمًا.
وقال رحمه الله: والنوع الواحد من العمل قد يفعله الإنسان على وجه يكمل فيه إخلاصه وعبوديته لله , فيغفر الله له به كبائر، كما في الترمذي وابن ماجه وغيرهما عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (يُصاح برجل من أمتي يوم القيامة على رؤوس الخلائق فينشر عليه تسعة وتسعون سجلًا , كل سجل منها مد البصر , فيقال: هل تنكر من هذا شيئًا؟ فيقول: لا يا رب , فيقول: لا ظلم عليك , فتخرج له بطاقة قدر الكف فيها شهادة أن لا إله إلا الله , فيقول: أين تقع هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فتوضع هذه البطاقة في كفه , والسجلات في كفة , فثقلت البطاقة وطاشت السجلات) .
فهذه حال من قالها بإخلاص وصدق , كما قالها هذا الشخص, وإلا فأهل الكبائر الذين دخلوا النار كلهم كانوا يقولون: لا إله إلا الله , ولم يترجح قولهم على سيئاتهم كما ترجّح قول صاحب البطاقة.
4 -قوله - صلى الله عليه وسلم - (وَإِنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً) فمن همّ بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة كاملة إذا كان تركها من خشية لله كما في رواية لمسلم (إنما تركها من أجلي أو من جرائي) .
ومثل قصة الذي همّ بابنة عمه بسوء فتركها لله، فأجاب الله دعاءه وفرج همه فانفرجت الصخرة.
ب- فإن تركها مخافة المخلوقين ومرآتهم فيعاقب على هذا.
ج- فإن تركها بسبب عدم القدرة عليها مع الاشتغال بتحصيل أسبابها، فهذا يعاقب كمن عمِل، فتكتب عليه سيئة.
قال الشيخ ابن عثيمين: من همّ بالسيئة وسعى في تحصيلها لكن عجز عنها، فهذا يكتب عليه وزر السيئة كاملًا، دليل ذلك، قول النبي - صلى الله عليه وسلم - (إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قالوا: يا رسول الله! هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: لأنه كان حريصًا على قتل صاحبه) .
5 -قوله - صلى الله عليه وسلم - (وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً) فمن همّ بسيئة وعملها تكتب عليه سيئة واحدة من غير مضاعفة.