فهرس الكتاب
(إِلَى غَارٍ) الغار الثقب في الجبل.
(وكُنْتُ لاَ أَغبِقُ قبْلهَما أَهْلًا وَلا مالًا) أي: ما كنت أقدم عليهما أحدًا في شرب نصيبهما من اللبن الذي يشربانه، والغَبوق: شرب العشي.
(فنأَى بي طَلَبُ) أي: بعُد.
(وَالصِّبْيَةُ يَتَضاغَوْنَ عِنْدَ قَدَمي) أي: يصيحون ويستغيثون من شدة الجوع.
(حَتَّى أَلَمَّتْ بِهَا سَنَةٌ مِنَ السِّنِينَ) أي: وقعت في سنة جدب ومحل.
(فَلَمَّا قَعَدْتُ بَيْنَ رِجْليْهَا) أي: جلست مجلس الرجل من المرأة.
(قَالتْ: اتَّقِ الله ولا تَفُضَّ الْخاتَمَ إِلاَّ بِحَقِّهِ) الخاتم كناية عن البكارة.
1 -الحديث دليل على فضل الإخلاص لله تعالى في جميع الأعمال، وأنه سبب لتفريج الكروب.
وللإخلاص فضائل كثيرة منها.
أولًا: أنه سبب لقبول الدعاء وتفريج الكرب.
كما في حديث الباب، فسبب نجاتهم دعوتهم لله تعالى بخالص أعمالهم، فكان كل واحد منهم يقول (اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتغَاءَ وَجْهِكَ فافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ ... ) .
ثانيًا: أنه سبب لمغفرة الذنوب، وسبب لعظم الجزاء مع قلة العمل.
أ-والدليل: قصة المرأة الزانية التي سقت الكلب فغفر الله لها، والقصة عند البخاري ومسلم.
قال ابن القيم رحمه الله: فتأمل ما قام في قلبها من حقائق الأيمان والعبودية في هذه اللحظة فمنها: أنها لم تعمله ابتغاء الأجر من أحد لأنها تعطي كلبًا فلا تنتظر منه جزاء أو شيئًا - وأنه لم يرها أحد إلا الله وهذا يدل عليه ظاهر الحديث - أنها أتعبت نفسها في سقايتها لهذا الكلب فنزلت في البئر مع أنها امرأة ثم ملئت خفها بالماء وحملته بفيها ثم سقت هذا الكلب الحقير، فتأمل ما قام في قلبها من أسرار الإخلاص فعندما تمت هذه الحقائق في قلبها (أحرقت أنوار هذا القدر من التوحيد ما تقدم منها من البقاء والزنا فغفر الله لها.
ب- عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (إن الله يستخلص رجلًا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعين سجلًا، كل سجل مثل هذا، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئًا؟! أظلمك كتبتي الحافظون؟! فيقول: لا يا رب. فيقول: أفلك عذر؟! فيقول: لا يا رب. فيقول: بلى، إن لك عندنا حسنة، وإنه لا ظلم عليك اليوم. فيخرج بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. فيقول: يا رب، ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟! فقال: إنك لا تظلم. قال: فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة، ولا يثقل مع اسم الله شيء) رواه الترمذي.
يقول شيخ الإسلام معلقًا على حديث البطاقة: فهذه حال من قالها بإخلاص وصدق كما قالها هذا الشخص، وإلّا فأهل الكبائر الذين دخلوا النار كلهم كانوا يقولون لا اله إلا الله، ولم يترجح قولهم على سيئاتهم كما ترجح قول صاحب البطاقة.
ثالثًا: أنه يصرف الفتنة عن القلب.
قال الإمام ابن تيميه في الفتاوى (1/ 60) : فلا تزول الفتنة عن القلب إلا إذا كان دين العبد كلّه لله عز وجل.
ويوسف عليه السلام ما نجى من فتنة المرأة إلا بالإخلاص لله تعالى قال تعالى (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) .
قال ابن تيمية في الفتاوى (10/ 261) : فإن قوة إخلاص يوسف عليه السلام وخشيته من الله عز وجل كان أقوى من جمال امرأة العزيز وحسنها وحبه لها.
رابعًا: أنه به تكمل العبودية لله تعالى.
قال الإمام ابن تيمية في الفتاوى (10/ 198) : وكلما قوي إخلاص العبد كملت عبوديته.
لأن بالإخلاص تقبل الأعمال وترفع إلى الله، وكلما قبل العمل ارتفعت المنزلة والدرجة عند الله تعالى