فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 210

د- وقالوا: إذا كانت التوبة تمحو أثر الكفر والسحر - وهما أعظم إثمًا من القتل - فكيف تقصر عن محو أثر القتل.

القول الثاني: أن القاتل عمدًا لا توبة له.

وهذا مذهب ابن عباس.

أ-لقوله تعالى (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) .

ب- عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ سُئِلَ: عَمَّنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا، ثُمَّ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا، ثُمَّ اهْتَدَى، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَأَنَّى لَهُ التَّوْبَةُ سَمِعْتُ نَبِيَّكُمْ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ (يَجِيءُ مُتَعَلِّقًا بِالْقَاتِلِ تَشْخَبُ أَوْدَاجُهُ دَمًا يَقُولُ: سَلْ هَذَا فِيمَ قَتَلَنِي، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ أَنْزَلَهَا وَمَا نَسَخَهَا) رواه النسائي.

ج-وعن معاوية. قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول (كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافرًا، أو الرجل يقتل مؤمنًا متعمدًا) رواه أحمد.

والصحيح القول الأول، وأما الجواب عن أدلة القول الثاني:

أما الآية:

فقيل: إن الآية على ظاهرها، لكن قد يوجد مانع يمنع من ذلك.

وهذا اختيار النووي وابن تيمية وابن القيم والسفاريني والسعدي.

وقيل: إن هذا جزاؤه إن جازاه.

وهذا اختيار الطبري، والشنقيطي، واستحسنه ابن كثير.

قال الطبري: وَأَوْلَى الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَاهُ: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ إِنْ جَزَاهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا, وَلَكِنَّهُ يَعْفُو أَوْ يَتَفَضَّلُ عَلَى أَهْلِ الإِيمَانِ بِهِ وَبِرَسُولِهِ , فَلاَ يُجَازِيهِمْ بِالْخُلُودِ فِيهَا , وَلَكِنَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ إِمَّا أَنْ يَعْفُوَ بِفَضْلِهِ فَلاَ يُدْخِلُهُ النَّارَ , وَإِمَّا أَنْ يُدْخِلَهُ إِيَّاهَا ثُمَّ يُخْرِجَهُ مِنْهَا بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ لِمَا سَلَفَ مِنْ وَعْدِهِ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا) .

وقيل: إن هذا وعيد، وإخلاف الوعيد لايذم بل يمدح.

وذهب إلى هذا الواحدي.

وقيل: حمل الآية على عمومها، وتفسير الخلود بمعنى: المكث الطويل، اعتمادًا على ما ورد في كلام العرب من إطلاق الخلود على غير معنى التأبيد، كقولهم: لأخلدن فلانًا في السجن، وقولهم: خلد الله ملكه.

ورجح هذا القول ابن حزم، ومحمد رشيد رضا، وابن عثيمين، وذهب إليه الرازي، وأبو السعود.

وقيل: إن الآية للتشديد والتخويف والتغليظ في الزجر عن قتل المؤمن.

وقيل: إن هذه الآية في القاتل المستحل.

وقال بهذا عكرمة.

4 -قال العلماء: في هذا الحديث استحباب مفارقة التائب المواضع التي أصاب بها الذنوب والأخدان المساعدين له على ذلك ومقاطعتهم ما داموا على حالهم، وأن يستبدل بهم صحبة أهل الخير والصلاح والعلماء والمتعبدين الورعين ومن يقتدي بهم وينتفع بصحبتهم وتتأكد بذلك توبته. (نووي) . ولهذا قال له الأخير (ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء) ففيه إشارة إلى أن التائب ينبغي له مفارقة الأحوال التي اعتادها في زمن المعصية والتحول منها كلها.

قال ابن تيمية: فأحوال البلاد كأحوال العباد فيكون الرجل تارة مسلمًا وتارة كافرًا وتارة مؤمنًا وتارة منافقًا، وتارة برًا تقيًا وتارة فاسقًا، وتارة فاجرًا شقيًا، وهكذا المساكن بحسب سكانها، فهجرة الإنسان من مكان الكفر والمعاصي إلى مكان الإيمان والطاعة كتوبته وانتقاله من الكفر والمعصية إلى الإيمان والطاعة، وهذا أمر باق إلى يوم القيامة.

وقال ابن رجب: هجران أماكن المعصية وإخوانها من جملة الهجرة المأمور بها، فإن المهاجر من هجر ما نهى الله عنه، قال إبراهيم بن أدهم: من أراد التوبة فليخرج من المظالم، وليدع مخالطة من كان

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت