فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 210

يخالطه، وإلا لم ينل ما يريد.

5 -أنواع الهجرة:

يمكن تقسيم الهجرة إلى نوعين أفصح عنهما سلطان العلماء العز بن عبد السلام رحمه الله بقوله:

الهجرة هجرتان: هجرة الأوطان، وهجرة الإثم والعدوان. وأفضلهما هجرة الإثم والعدوان؛ لما فيها من إرضاء الرحمن، وإرغام النفس والشيطان.

ولعلَّ العزَّ رحمه الله قصد أن هذه الهجرة متجددة، بخلاف ترك الوطن فإنه يكون مرة غالبًا؛ والمتجدد أكثر أجرًا، وإلا فإن الأولى لا يقارن بها شيء، والعلم عند الله تعالى.

فالهجرة هجرتان: معنوية، وحسية.

المعنوية: هي الهجرة من الكفر إلى الإسلام، ومن البدعة إلى السنة، ومن الشرك إلى توحيد الله، ومن المعصية إلى الطاعة.

ثبت في سنن أبي داود أنه قيل للنبي - صلى الله عليه وسلم: أي الهجرة أفضل؟ فقال (من هجر ما حرم الله) رواه أبو داود.

وفي صحيح البخاري، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ (الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْه) .

وأما الهجرة الحسية فهي أربعة أنوع:

الأول: الهجرة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في المدينة، وهذه أشرف الهجرات وأفضلها على الإطلاق.

وهذه خصَّ الله تعالى بها ساداتِ الأولياء من المهاجرين، رضي الله عنهم وأرضاهم.

وتأمل هذا الحديث لتعرف عظيم قدرهم ..

عَنْ جَابِرٍ - رضي الله عنه - أَنَّ الطُّفَيْلَ بْنَ عَمْرٍو الدَّوْسِيَّ أَتَى النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلْ لَكَ فِي حِصْنٍ حَصِينٍ وَمَنْعَةٍ؟ حِصْنٌ كَانَ لِدَوْسٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟ فَأَبَى ذَلِكَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -؛ لِلَّذِي ذَخَرَ اللَّهُ لِلْأَنْصَارِ. فَلَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى الْمَدِينَةِ هَاجَرَ إِلَيْهِ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو وَهَاجَرَ مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَاجْتَوَوْا الْمَدِينَةَ، فَمَرِضَ، فَجَزِعَ، فَأَخَذَ مَشَاقِصَ لَهُ فَقَطَعَ بِهَا بَرَاجِمَهُ، فَشَخَبَتْ يَدَاهُ حَتَّى مَاتَ. فَرَأَىهُ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فِي مَنَامِهِ، فَرَأَىهُ وَهَيْئَتُهُ حَسَنَةٌ، وَرَأَىهُ مُغَطِّيًا يَدَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: مَا صَنَعَ بِكَ رَبُّكَ؟ فَقَالَ: غَفَرَ لِي؛ بِهِجْرَتِي إِلَى نَبِيِّهِ - صلى الله عليه وسلم -. فَقَالَ: مَا لِي أَرَاكَ مُغَطِّيًا يَدَيْكَ؟! قَالَ: قِيلَ لِي: لَنْ نُصْلِحَ مِنْكَ مَا أَفْسَدْتَ. فَقَصَّهَا الطُّفَيْلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «اللَّهُمَّ وَلِيَدَيْهِ فَاغْفِر) رواه مسلم.

الثاني: الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام.

وهذه واجبة لمن لا يقدر على إقامة دينه.

كهجرة الصحابة من مكة إلى الحبشة خوفًا من الفتنة، وفرارًا بالدين.

الثالث: هجرة أرض السوء إلى أرض الصلاح.

ودليلها قصة قاتل المائة نفس (حديث الباب) .

وقال الحافظ: ففيه إشارة إلى أن التائب ينبغي له مفارقة الأحوال التي اعتادها في زمن المعصية، والتحول منها كلها والاشتغال بغيرها.

الرابع: الهجرة إلى الشام في آخر الزمان عند ظهور الفتن.

فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: (سَتَكُونُ هِجْرَةٌ بَعْدَ هِجْرَةٍ، فَخِيَارُ أَهْلِ الْأَرْضِ أَلْزَمُهُمْ مُهَاجَرَ إِبْرَاهِيمَ، وَيَبْقَى فِي الْأَرْضِ شِرَارُ أَهْلِهَا، تَلْفِظُهُمْ أَرْضُوهُمْ، تَقْذَرُهُمْ نَفْسُ اللَّهِ، وَتَحْشُرُهُمْ النَّارُ مَعَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ) .

قال ابن رجب: و في الجملة: فلا شؤم إلا المعاصي و الذنوب فإنها تسخط الله عز و جل، فإذا سخط على عبده شقي في الدنيا و الآخرة، كما إنه إذا رضي عن عبده سعد في الدنيا والآخرة.

قال بعض الصالحين و قد شكي بلاء وقع في الناس فقال: ما أرى ما أنتم فيه إلا بشؤم الذنوب.

وقال أبو حازم: كل ما يشغلك عن الله من أهل أو مال أو ولد فهو عليك مشؤوم.

فالشؤم في الحقيقة هو معصية الله و اليمن هو طاعة الله و تقواه كما قيل:

(إن رأيًا دعا إلى طاعة الله ... لرأي مبارك ميمون)

و العدوى التي تهلك من قاربها هي المعاصي، فمن قاربها وخالطها وأصر عليها هلك، وكذلك مخالطة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت