فهرس الكتاب
(أَنَّ نَاسًا مِنَ الأَنْصَارِ سَألوا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -) أي: شيئًا من المال.
(فَأعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَألوهُ فَأعْطَاهُمْ) بتكرير السؤال والإعطاء مرتين.
(حَتَّى نَفِدَ مَا عِندَهُ) أي: انقطع.
(مَا يَكُنْ عِنْدي مِنْ خَيْر فَلَنْ أدَّخِرَهُ عَنْكُمْ) أي: فلن أحبسه عنكم.
(وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ) أي: من طلب العفة وتكلفها أعطاه الله إياه، والاستعفاف: هو الكف عن الحرام، والسؤال من الناس.
(يُعِفهُ اللهُ) أي: يرزقه الله العفة، قال القرطبي: أي يجازه على استعفافه بصيانه وجهه ورفع فاقته.
(وَمَنْ يَسْتَغْنِ) أي: من يستغن بالله عمن سواه، أو يُظهر الغنى بالاستغناء عن أموال الناس.
(يُغْنِهِ اللهُ) يرزقه الله غنى القلب.
(وَمَنْ يَتَصَبَّرْ) أي: يتكلف في تحمل مشاق الصبر.
(يُصَبِّرْهُ اللهُ) أي: يعينه الله ويسهل عليه الصبر.
(وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأوْسَعَ مِنَ الصَّبْر) أي: الصبر من أفضل ما يعطاه أحد وأوسعه.
1 -الحديث دليل على فضل الصبر، وأنه من يتبصر ويجاهد نفسه على الصبر يصبره الله ويوفقه ويسهل عليه الصبر.
وعلى العبد أن يعرف الأسباب التي تعين على الصبر عن المعصية، ذكرها ابن القيم وهي:
أحدها: علم العبد بقبحها ورذالتها ودناءتها.
السبب الثاني: الحياء من الله عز وجل، فإن العبد متى علم بنظره إليه ومقامه عليه، وأنه بمرأى منه ومسمع - وكان حيًا حييًا - استحى من ربه أن يتعرض لمساخطه.
السبب الثالث: مراعاة نعمه عليك وإحسانه إليك.
السبب الرابع: خوف الله وخشية عقابه.
السبب الخامس: محبة الله سبحانه، وهي من أقوى الأسباب في الصبر عن مخالفته ومعاصيه.
السبب السادس: شرف النفس وزكاؤها وفضلها وأنفتها وحميتها أن تختار الأسباب التي تحطها وتضع قدرها.
السبب السابع: قوة العلم بسوء عاقبة المعصية وقبح أثرها.
السبب الثامن: قصر الأمل وعلمه بسرعة انتقاله.
السبب التاسع: مجانبة الفضول في مطعمه ومشربه وملبسه ومنامه واجتماعه بالناس.
السبب العاشر: وهو الجامع لهذه الأسباب كلها: وهو ثبات شجرة الإيمان في القلب، فصبر العبد عن المعاصي إنما هو بحسب قوة إيمانه. ... (طريق الهجرتين) .
2 -الحديث دليل على أن أفضل ما أعطي العبد الصبر لقوله (وما أعطي أحد عطاء خيرًا وأوسع من الصبر) .
قال ابن القيم: فإن هذا بعد نزول البلاء، ليس للعبد أوسع من الصبر، وأما قبله فالعافية أوسع له
وقال السعدي: وإنما كان الصبر أعظم العطايا، لأنه يتعلق بجميع أمور العبد وكمالاته، وكل حالة من أحواله تحتاج إلى صبر، فإنه يحتاج إلى الصبر على طاعة الله، حتى يقوم بها ويؤديها، وإلى صبر عن معصية الله حتى يتركها لله، وإلى صبر على أقدار الله المؤلمة، فلا يتسخطها، بل إلى صبر على نعم الله ومحبوبات النفس، فلا يدع النفس تمرح وتفرح الفرح المذموم، بل يشتغل بشكر الله، فهو في كل أحواله يحتاج إلى الصبر، وبالصبر ينال الفلاح، ولهذا ذكر الله أهل الجنة فقال (وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ) (سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) وكذلك قوله (أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا) .
فهم نالوا الجنة بنعيمها، وأدركوا المنازل بالصبر، ولكن العبد يسأل الله العافية من الابتلاء الذي لا يدري ما عاقبته، ثم إذا ورد عليه فوظيفته الصبر، فالعافية هي المطلوبة بالأصالة في أمور الابتلاء والامتحان، والصبر يؤمر به عند وجود أسبابه ومتعلقاته، والله هو المعين.
3 -الحديث دليل على فضل الاستعفاف عن الناس والاستغناء عنهم.