فهرس الكتاب
فاجر بغير حق لم يضره ذلك إذا كان قائما بما يقدر عليه من الواجبات، ومن استعبد بحق إذا أدى حق الله وحق مواليه له أجران، ولو أكره على التكلم بالكفر فتكلم به وقلبه مطمئن بالإيمان لم يضره ذلك، وأما من استعبد قلبه فصار عبدًا لغير الله فهذا يضره ذلك ولو كان في الظاهر ملك الناس، فالحرية حرية القلب، والعبودية عبودية القلب، كما أن الغنى غنى النفس.
وقال ابن القيم: أعظم الناس خذلانًا من تعلق بغير الله، فإن ما فاته من مصالحه وسعادته وفلاحه أعظم مما حصل له ممن تعلق به، وهو معرض للزوال والفوات، ومثل المتعلق بغير الله كمثل المستظل من الحر والبرد ببيت العنكبوت أوهن البيوت.
وقال: الجاهل يشكو الله إلى الناس، وهذا غاية الجهل بالمشكو والمشكو إليه، فإنه لو عرف ربه لما شكاه، ولو عرف الناس لما شكا إليهم، ورأى بعض السلف رجلًا يشكو إلى رجل فاقته وضرورته، فقال: يا هذا، والله ما زدت على أن شكوت من يرحمك إلى من لا يرحمك، وفي ذلك قيل:
وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم
27 -وعن أبي يحيى صهيب بن سنانٍ - رضي الله عنه -، قَالَ: قَالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم: (( عَجَبًا لأمْرِ المُؤمنِ إنَّ أمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خيرٌ ولَيسَ ذلِكَ لأَحَدٍ إلاَّ للمُؤْمِن: إنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكانَ خَيرًا لَهُ، وإنْ أصَابَتْهُ ضرَاءُ صَبَرَ فَكانَ خَيْرًا لَهُ ) )رواه مسلم.
(وعن أبي يحيى صهيب بن سنان) بن مالك أبو يحيى الرومي، وإنما قيل له: الرومي، لأن الروم سبوه صغيرًا، صحابي شهير، مات بالمدينة سنة 38 في خلافة علي، وقيل قبل ذلك.
1 -الحديث دليل على فضل الله تعالى على المؤمن، حيث إن المؤمن إن أصابته ضراء فصبر فكان خيرًا، وإن أصابته سراء فشكر كان خيرًا.
وفي المسند عنه (والذي نفسي بيده لا يقضى الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرًا له، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له، وليس ذلك إلا للمؤمن) .
وفي لفظ (إن أمر المؤمن كله عجيب، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وان أصابته ضراء صبر فكان خيرا له) .
وفي لفظ لأحمد (عجبتُ للمؤمن، إن أصابه خير حمِد الله وشكر، وإن أصابته مصيبةٌ حمِد الله وصبر، فالمؤمن يُؤجرُ في كل أمرهِ، حتى في اللقمةِ يرفعُها إلى فيِّ امرأته) .
2 -إن المؤمن في هذه الدنيا دائر بين نعمة ومصيبة، فالنعمة يقابلها بالشكر، والمصيبة يقابلها بالصبر، وهذا من أعظم علامات السعادة.
فالعبد لا ينفك عن هذه الأمور الثلاثة أبدًا: إذا أذنب استغفر، وإذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر.
قال ابن القيم: فإن هذه الثلاثة هي عنوان سعادة العبد، وعلامة فلاحه في دنياه وأخراه، ولا ينفك عبد عنها أبدًا، فإن العبد دائم التقلب بين هذه الأطباق الثلاث.
الأولى: نعم من الله تعالى تترادف عليه فقيدها (الشكر) وهو مبني على ثلاثة أركان: الاعتراف بها باطنًا، والتحدث بها ظاهرًا، وتصريفها في مرضاة وليها ومسديها ومعطيها، فإذا فعل ذلك فقد شكرها مع تقصيره في شكرها.
الثانية: محن من الله تعالى يبتليه بها ففرضه فيها (الصبر) والتسلي، والصبر حبس النفس عن التسخط بالمقدور، وحبس اللسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن المعصية كاللطم وشق الثياب ونتف الشعر ونحوه، فمدار الصبر على هذه الأركان الثلاثة، فإذا قام به العبد كما ينبغي انقلبت المحنة في حقه منحة، واستحالت البلية عطية، وصار المكروه محبوبًا.
فإن الله سبحانه وتعالى لم يبتله ليهلكه، وإنما ابتلاه ليمتحن صبره وعبوديته، فإن لله تعالى على العبد عبودية الضراء، وله عبودية عليه فيما يكره كما له عبودية فيما يحب، وأكثر الخلق يعطون العبودية فيما يحبون، والشأن في إعطاء العبودية في المكاره، ففيه تفاوت مراتب العباد وبحسبه كانت منازلهم عند الله تعالى.