فهرس الكتاب
• لماذا هذه هي عنوان السعادة؟
لأن الإنسان لا ينفك عن حال من هذه الحالات الثلاث.
إما أن يُعطَى، وإما أن يبتلى، وإما أن يذنب ويقع في الذنب. [فإن قام بوظيفة كل حالة فهو السعيد لأنه حقق عبودية الله فيها] .
لأن الإنسان إما أن يكون في نعمة، فما هي وظيفة هذه النعمة؟ ما هو واجبه تجاه نعم الله؟
هو شكرها والقيام بشكرها.
وإما أن يقع بذنب - ولا يسلم أحد من الذنوب - فما هو الواجب على من وقع في ذنب؟ الواجب عليه أن يستغفر ربه وأن يتوب وأن يعود إلى الله.
وإما أن يكون في محنة وبلية ومصيبة؟ فما هو موقف المسلم إذا أصيب ببلاء أو مصيبة؟ الصبر والاحتساب الأجر عند الله.
فلذلك صارت هذه الثلاث من أعظم أسباب السعادة.
لأنه حقق العبودية لربه على كل أحواله، وهكذا المؤمن حقًا، يسعى في رضا الله وتحقيق عبوديته على أي حالة يمر بها في حياته.
-وبما أن الشكر منزلته عظيمة، فكيف نحقق الشكر؟ نحققه بأمور:
أولًا: سؤال الله ذلك، بأن يوفقنا لشكره والتضرع في ذلك.
كما قال تعالى عن سليمان (وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ) .
وقد أوصى النبي - صلى الله عليه وسلم - معاذ بن جبل أن يقول دبر كل صلاة (اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) .
ثانيًا: أن ينظر إلى من هو دونه في أمور الدنيا [ينظر للفقراء ومن هم أقل منه] فإذا فعل ذلك استعظم ما أعطاه الله.
ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم - (انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فإنه أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم) متفق عليه
قال عون بن عبد الله: صحبتُ الأغنياء، فلم أر أحدًا أكبر همًا مني، أرى دابة خيرًا من دابتي، وثوبًا خيرًا من ثوبي، وصحبت الفقراء فاسترحت.
3 -إن من أعظم أسباب الإيمان بالقضاء والقدر اليقين بهذا الحديث.
قال ابن رجب: وممَّا يدعو المؤمن إلى الرِّضا بالقضاء تحقيقُ إيمانه بمعنى قول النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - (لا يقضي الله للمؤمن قضاءً إلا كان خيرًا له: إنْ أصابته سرَّاء شكر، كان خيرًا له، وإنْ أصابته ضرَّاء صبر، كان خيرًا له، وليس ذلك إلا للمؤمن) .
قال السعدي في كتابه: الوسائل المفيدة للحياة السعيدة:
ومن أنفع الأشياء في هذا الموضع استعمال ما أرشد إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح حيث قال (انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فإنه أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم) فإن العبد إذا نصب بين عينيه هذا الملحظ الجليل رآه يفوق جمعًا كثيرًا من الخلق في العافية وتوابعها، وفي الرزق وتوابعه مهما بلغت به الحال، فيزول قلقه وهمه وغمه، ويزداد سروره واغتباطه بنعم الله التي فاق فيها غيره ممن هو دونه فيها.
وكلما طال تأمل العبد بنعم الله الظاهرة والباطنة، الدينية والدنيوية، رأى ربه قد أعطاه خيرًا ودفع عنه شرورًا متعددة، ولا شك أن هذا يدفع الهموم والغموم، ويوجب الفرح والسرور.
28 -وعن أنَسٍ - رضي الله عنه -، قَالَ: لَمَّا ثَقُلَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - جَعلَ يَتَغَشَّاهُ الكَرْبُ، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ رضي الله عنها: وَاكَربَ أَبَتَاهُ. فقَالَ: (( لَيْسَ عَلَى أَبيكِ كَرْبٌ بَعْدَ اليَوْمِ ) )فَلَمَّا مَاتَ، قَالَتْ: يَا أَبَتَاهُ، أَجَابَ رَبًّا دَعَاهُ! يَا أَبتَاهُ، جَنَّةُ الفِردَوسِ مَأْوَاهُ! يَا أَبَتَاهُ، إِلَى جبْريلَ نَنْعَاهُ! فَلَمَّا دُفِنَ قَالَتْ فَاطِمَةُ رَضي الله عنها: أَطَابَتْ أنْفُسُكُمْ أنْ تَحْثُوا عَلَى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - التُّرَابَ؟! رواه البخاري.
(لَمَّا ثَقُلَ) أي: من شدة المرض.