فهرس الكتاب
(الكَرْب) الشدة من سكرات الموت.
(فَلَمَّا دُفِنَ قَالَتْ فَاطِمَةُ رَضي الله عنها: أَطَابَتْ أنْفُسُكُمْ أنْ تَحْثُوا ... ) أشارت رضي الله عنها إلى عتابهم على إقدامهم على ذلك، لأنه يدل على خلاف ما عرفته منهم من رقة قلوبهم عليه لشدة محبتهم له، وسكت أنس عن جوابها رعاية لها ولسان حاله يقول: لم تطب أنفسنا بذلك، إلا أنا قهرناها على فعله امتثالًا لأمره، وقد قال أبو سعيد فيما أخرجه البزار بسند جيد: وما نفضنا أيدينا حتى أنكرنا قلوبنا.
1 -الحديث دليل على جواز التوجع للميت عند احتضاره، وأنه ليس من النياحة، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقرها على ذلك.
2 -مصداق قوله تعالى (إنك ميت وإنهم ميتون) .
3 -مصداق قوله - صلى الله عليه وسلم - (أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، يُبتلَى الرجلُ على حسب دينه، فإن كان في دينهِ صلابةٌ زيد في بلائه، وإن كان في دينه رقةٌ خفّف عنه) رواه الترمذي.
29 -وعن أبي زَيدٍ أُسَامَةَ بنِ زيدِ بنِ حارثةَ مَوْلَى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وحِبِّه وابنِ حبِّه رضي اللهُ عنهما، قَالَ: أرْسَلَتْ بنْتُ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إنَّ ابْني قَد احْتُضِرَ فَاشْهَدنَا، فَأَرْسَلَ يُقْراءُ السَّلامَ، ويقُولُ: (( إنَّ لله مَا أخَذَ وَلَهُ مَا أعطَى وَكُلُّ شَيءٍ عِندَهُ بِأجَلٍ مُسَمًّى فَلتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ ) )فَأَرسَلَتْ إِلَيْهِ تُقْسِمُ عَلَيهِ لَيَأتِينَّهَا. فقامَ وَمَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابتٍ، وَرجَالٌ - رضي الله عنهم -، فَرُفعَ إِلَى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - الصَّبيُّ، فَأقْعَدَهُ في حِجْرِهِ وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ، فَفَاضَتْ عَينَاهُ فَقالَ سَعدٌ: يَا رسولَ الله، مَا هَذَا؟ فَقالَ: (( هذِهِ رَحمَةٌ جَعَلَها اللهُ تَعَالَى في قُلُوبِ عِبَادِهِ ) )وفي رواية: (( فِي قُلُوبِ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ، وَإِنَّما يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبادِهِ الرُّحَماءَ ) )مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
وَمَعنَى (( تَقَعْقَعُ ) ): تَتَحرَّكُ وتَضْطَربُ.
(أُسَامَةَ بنِ زيدِ بنِ حارثةَ مَوْلَى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -) الحبُّ بن الحب، مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، استعمله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على جيش فيه أبو بكر وعمر فلم ينفذ حتى توفي النبي - صلى الله عليه وسلم -، فبعثه أبو بكر إلى الشام، واعتزل أسامة الفتن بعد قتل عثمان إلى أن مات في أواخر خلافة معاوية عام 54 هـ.
(قَالَ: أرْسَلَتْ بنْتُ النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -) هي زينب كما جاء في رواية عند ابن أبي شيبة.
(إنَّ ابْني قَد احْتُضِرَ) وفي رواية للبخاري (إن ابنًا لي قبِضَ فأتنا) أي: فرب من أن يقبض، أي: هو في حالة القبض ومعالجة الروح.
(إنَّ لله مَا أخَذَ) أي: إن هذا الذي أخذَ منكم له، لا لكم، فلم يأخذ إلا ما هو له، فينبغي أن لا تجزعوا.
(وَكُلُّ شَيءٍ) أي: من الأخذ والإعطاء.
(عِندَهُ بِأجَلٍ مُسَمًّى) أي: مقدر بأجل معلوم.
(وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ) أي: تضطرب وتتحرك.
1 -الحديث دليل على وجوب الصبر على المصائب.
قال ابن القيم مبينًا علاج المصيبة:
قَالَ تَعَالَى (وَبَشّرِ الصّابِرِينَ الّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) .
وَفِي"الْمُسْنَدِ"عَنْهُ - صلى الله عليه وسلم - أَنّهُ قَالَ (مَا مِنْ أَحَدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ إنّا لِلّهِ وَإِنّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ اللّهُمّ أْجُرْني فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا إلّا أَجَارَهُ اللّهُ فِي مُصِيبَتِهِ وَأَخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا)
وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ مِنْ أَبْلَغِ عِلَاجِ الْمُصَابِ وَأَنْفَعِهِ لَهُ فِي عَاجِلَتِهِ وَآجِلَتِهِ فَإِنّهَا تَتَضَمّنُ أَصْلَيْنِ عَظِيمَيْنِ إذَا تَحَقّقَ الْعَبْدُ بِمَعْرِفَتِهِمَا تَسَلّى عَنْ مُصِيبَتِهِ:
أَحَدُهُمَا: أَنّ الْعَبْدَ وَأَهْلَهُ وَمَالَهُ مِلْكٌ لِلّهِ عَزّ وَجَلّ حَقِيقَةً وَقَدْ جَعَلَهُ عِنْدَ الْعَبْدِ عَارِيَةً فَإِذَا أَخَذَهُ مِنْهُ فَهُوَ كَالْمُعِيرِ يَأْخُذُ مَتَاعَهُ مِنْ الْمُسْتَعِيرِ وَأَيْضًا فَإِنّهُ مَحْفُوفٌ بِعَدَمَيْنِ عَدَمٍ قَبْلَهُ وَعَدَمٍ بَعْدَهُ وَمِلْكُ الْعَبْدِ لَهُ مُتْعَةٌ مُعَارَةٌ فِي زَمَنٍ يَسِيرٍ وَأَيْضًا فَإِنّهُ لَيْسَ الّذِي أَوْجَدَهُ عَنْ عَدَمِهِ حَتّى يَكُونَ مِلْكُهُ حَقِيقَةً وَلَا هُوَ.
وَالثّانِي: أَنّ مَصِيرَ الْعَبْدِ وَمَرْجِعَهُ إلَى اللّهِ مَوْلَاهُ الْحَقّ وَلَا بُدّ أَنْ يُخَلّفَ الدّنْيَا وَرَاءَ ظَهْرِهِ وَيَجِيءَ رَبّهُ فَرْدًا كَمَا خَلَقَهُ أَوّلَ مَرّةٍ بِلَا أَهْلٍ وَلَا مَالٍ وَلَا عَشِيرَةٍ وَلَكِنْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسّيّئَاتِ فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ بِدَايَةَ الْعَبْدِ