فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 210

وقال الشوكاني بعد سياق كلام القرطبي: وهذا الكلام هو الذي ينبغي اعتماده في الجمع بين أحاديث الباب المتعارضة في الظاهر.

لكن يجاب عن هذا:

أولًا: أنه قد ورد في حديث ابن عباس لفظ (زائرات) ، وفي هذا اللفظ زيادة علم، حيث إنه يصدق على الزائرة مرة واحدة فيؤخذ به.

ثانيًا: أن لفظ (الزوّارات) قد يكون لتعددهن، كما يقال: فتحت الأبواب، إذا لكل باب فتح يخصه.

وأجابوا أيضًا:

أن هذه الأحاديث التي فيها لعن زوارات القبور محمولة على ما إذا كانت زيارتهن لتجديد الحزن والتعديد والبكاء والنوح، وأما إذا كانت الزيارة للاعتبار من غير نوح ولا تعديد فلا يحرم عليهن ذلك.

لكن يجاب عن هذا:

أولًا: أن هذا التأويل أو الحمل للحديث لا دليل عليه.

ثانيًا: أن زيارة النساء إذا كانت مظنة وسببًا للأمور المحرمة - والحكمة هنا غير مضبوطة - فإنه لا يمكن أن يحد المقدار الذي يفضي إلى ذلك، ولا التمييز بين نوع ونوع، ومن أصول الشريعة، أن الحكمة إذا كانت خفية، أو غير منتشرة، علق الحكم بمظنتها فيحرم هذا الباب سدًا للذريعة.

وأجابوا أيضًا: بأن هذه الأحاديث ضعيفة الإسناد.

ويجاب عن هذا:

أولًا: أن كل من تُكلّم فيه من رجال الإسناد قد عدّله طائفة من العلماء، وإذا كان الجارح والمعدل من الأئمة، لم يقبل الجرح إلا مفسرًا، فيكون التعديل مقدمًا على الجرح المطلق.

ثانيًا: أن حَدِيثَ مِثْلِ هَؤُلَاءِ يَدْخُلُ فِي الْحَسَنِ الَّذِي يَحْتَجُّ بِهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ فَإِذَا صَحَّحَهُ مَنْ صَحَّحَهُ كَالتِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ مِنْ الْجَرْحِ إلَّا مَا ذُكِرَ كَانَ أَقَلَّ أَحْوَالِهِ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْحَسَنِ.

ثالثًا: أَنْ يُقَالَ قَدْ رُوِيَ مِنْ وَجْهَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ: أَحَدُهُمَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَالْآخَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَرِجَالُ هَذَا لَيْسَ رِجَالَ هَذَا فَلَمْ يَأْخُذْهُ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ وَلَيْسَ فِي الْإِسْنَادَيْنِ مَنْ يُتَّهَمُ بِالْكَذِبِ وَإِنَّمَا التَّضْعِيفُ مِنْ جِهَةِ سُوءِ الْحِفْظِ وَمِثْلُ هَذَا حُجَّةٌ بِلَا رَيْبٍ.

32 -وعن أبي هريرة - رضي الله عنه: أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ: (( يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: مَا لعَبدِي المُؤْمِنِ عِنْدِي جَزَاءٌ إِذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِنْ أهْلِ الدُّنْيَا ثُمَّ احْتَسَبَهُ إلاَّ الجَنَّةَ ) )رواه البخاري.

(يَقُولُ اللهُ تَعَالَى) هذا يسمى عند العلماء حديث قدسي.

إ (ِذَا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ) هو الحبيب المصافي كالولد والأخ وكل من يحبه الإنسان، والمراد بالقبض قبض روحه وهو الموت.

(ثُمَّ احْتَسَبَهُ) أي: صبر على فقده راجيًا الأجر من الله على ذلك، والاحتساب طلب الأجر من الله خالصًا.

1 -الحديث دليل على فضل من صبر واحتسب على فقد من يحبه.

2 -الحديث دليل على فضل الصبر وأن جزاءه دخول الجنة.

3 -لو تأملنا في الأحاديث السابقة لوجدنا التركيز على قضية مهمة وهي قضية الاحتساب في الصبر، وذلك لأن يقين الإنسان بحسن الجزاء، وعظم الأجر عند الله، يخفف مرارة المصيبة على النفس، ويهون وقعها على القلب، وكلما قوي اليقين ضعف الإحساس بألم المصيبة، حتى تتحول لدى النفس من المكاره إلى المحابِّ.

وقد جاء عن عمر رضي الله عنه قوله: ما أصبت ببلاء إلا كان لله عليَّ فيه أربع نعم: أنه لم يكن في ديني، وأنه لم يكن أكبر منه، وأني لم أحرم الرضا به، وأني أرجو الثواب عليه.

فجعل انتظار الثواب على البلاء من أسباب تخفيفه، ونقله من دائرة المصائب التي توجب الصبر إلى دائرة النعم التي تستحق الشكر.

وكان نبينا - صلى الله عليه وسلم - يسأل الله اليقين الذي تهون معه المصائب، فقلما كان يقوم من مجلس إلا ويدعو بهؤلاء

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت