فهرس الكتاب
الدعوات (اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا) .
وإذا كانت مقادير الله نافذة على العبد رضي أم سخط، صبر أم جزع، فإن العاقل ينبغي أن يصبر ويحتسب ويرضى بقضاء الله حتى لا يحرم الأجر والمثوبة، وإلا جرى عليه المقدور وهو كاره.
قال علي - رضي الله عنه: إنك إن صبرت إيمانًا واحتسابًا، وإلا سلوت سلو البهائم.
وعزَّى رجلًا في ابن له مات، فقال: يا أبا فلان إنك إن صبرت نفذت فيك المقادير، ولك الأجر، وإن جزعت نفذت فيك المقادير، وعليك الوزر.
33 -وعن عائشةَ رضيَ الله عنها: أَنَّهَا سَألَتْ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - عَنِ الطّاعُونِ، فَأَخْبَرَهَا أنَّهُ كَانَ عَذَابًا يَبْعَثُهُ اللهُ تَعَالَى عَلَى مَنْ يشَاءُ، فَجَعَلَهُ اللهُ تعالى رَحْمَةً للْمُؤْمِنينَ، فَلَيْسَ مِنْ عَبْدٍ يَقَعُ في الطَّاعُونِ فيمكثُ في بلدِهِ صَابرًا مُحْتَسِبًا يَعْلَمُ أنَّهُ لا يصيبُهُ إلاَّ مَا كَتَبَ اللهُ لَهُ إلاَّ كَانَ لَهُ مِثْلُ أجْرِ الشّهيدِ. رواه البخاري.
(الطّاعُونِ) قيل: إنه وباء معين، وقيل: إنه وباء عام يحل بالأرض فيصيب أهلها ويموت الناس منه مثل الكوليرا.
1 -الحديث دليل على فضل الصبر والاحتساب لمن يقع في الطاعون، وأنه يكون شهيدًا إذا مات.
وقد جاء في الحديث:
عن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: المَطْعُونُ وَالمَبْطُونُ، وَالغَرِيقُ، وَصَاحِبُ الهَدْمِ، وَالشَّهِيدُ في سَبِيلِ الله) متفقٌ عَلَيْهِ.
وعنه قَالَ: قَالَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (مَا تَعُدُّونَ الشُّهَدَاءَ فِيكُم؟) قالوا: يَا رسولَ اللهِ، مَنْ قُتِلَ في سَبيلِ اللهِ فَهُوَ شَهِيدٌ. قَالَ: إنَّ شهَدَاءَ أُمَّتِي إِذًَا لَقَليلٌ )) ! قالوا: فَمَنْ هُمْ يَا رسول الله؟ قَالَ: (( مَنْ قُتِلَ في سَبيلِ الله فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ في سَبيلِ الله فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ في الطَّاعُونِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ مَاتَ في البَطْنِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَالغَرِيقُ شَهِيدٌ) رواه مسلم.
وعن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - (الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ) رواه مسلم.
قال النووي: المطعون هو الذي يموت في الطاعون، والمبطون هو صاحب داء البطن، وصاحب الهدم من يموت تحته (أي تحت الهدم والأنقاض) ، ومن مات في سبيل الله معناه بأي صفة مات، قال العلماء: وإنما كانت هذه الموتات شهادة بتفضل الله تعالى بسبب شدتها وكثرة ألمها، قال العلماء: المراد بشهادة هؤلاء كلهم غير المقتول في سبيل الله أنَّهم يكون لهم في الآخرة ثواب الشهداء وأما في الدنيا فيغسلون ويصلى عليهم.
وقال رحمه الله: اعلم أن الشهيد ثلاثة أقسام:
أحدها: المقتول في حرب الكفار بسبب من أسباب القتال.
فهذا له حكم الشهداء في ثواب الآخرة وفى أحكام الدنيا، وهو أنه لا يغسل ولا يصلى عليه.
والثاني: شهيد في الثواب دون أحكام الدنيا.
وهو المبطون، والمطعون، وصاحب الهدم، ومن قتل دون ماله وغيرهم ممن جاءت الأحاديث الصحيحة بتسميته شهيدا، فهذا يغسل ويصلى عليه وله في الآخرة ثواب الشهداء ولا يلزم أن يكون مثل ثواب الأول.
والثالث: من غل في الغنيمة وشبهه ممن وردت الآثار بنفي تسميته شهيدًا إذا قتل في حرب الكفار، فهذا له حكم الشهداء في الدنيا فلا يغسل ولا يصلى عليه وليس له ثوابهم الكامل في الآخرة.
وقال في المجموع: والدليل للقسم الثاني أن عمر وعثمان وعليًا - رضي الله عنهم - غسلوا وصلي عليهم بالاتفاق واتفقوا على أنهم شهداء والله أعلم.
2 -الحديث دليل على أن ينبغي لمن وقع الطاعون في بلده وهو فيه أن لا يخرج منها فرارًا منه.
عن أُسَامَةُ قَالَ رَسُولُ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - (الطّاعُونُ رِجْزٌ أُرْسِلَ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ وَعَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِ وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهَا فِرَارًا مِنْهُ) متفق عليه.