فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 210

الثالث عشر: أن يعلم أنه إن صبر فالله ناصره ولابد، فإن الله وكيل من صبر وأحال ظالمه عليه، ومن انتصر بنفسه لنفسه وكله الله إلى نفسه، فكان هو الناصر لها، فأين من ناصر الله خير الناصرين، إلى من ناصره نفسه أعجز الناصرين وأضعفه.

الرابع عشر: أن صبره على من آذاه واحتماله له يوجب رجوع خصمه عن ظلمه وندامته واعتذاره، ولوم الناس له فيعود بعد إيذائه له مستحيًا منه، نادمًا على ما فعله، بل يصير مواليًا له وهذا معنى قوله (ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم. وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم) .

الخامس عشر: ربما كان انتقامه سببًا لزيادة شر خصمه وقوة نفسه وفكرته في أنواع الأذى التي يوصلها إليه كما هو المشاهد، فإذا صبر وعفى أمن من هذا الضرر، والعاقل لا يختار أعظم الضررين بدفع أدناهما، وكم قد جلب الانتقام والمقابلة من شر عجز صاحبه عن دفعه، وكم قد ذهبت به نفوس ورياسات وأموال وممالك لو عفى المظلوم لبقيت عليه.

السادس عشر: أن من اعتاد الانتقام ولم يصبر، لابد أن يقع في الظلم.

فإن النفس لا تقتصر على قدر العدل الواجب لها، لا عملًا، ولا إرادة، وربما عجزت عن الاقتصار على قدر الحق، فإن الغضب يخرج بصاحبه إلى حد لا يعقل ما يقول وما يفعل، فبين هو مظلوم ينتظر النصر والعز إذا انقلب ظالمًا ينتظر المقت والعقوبة.

السابع عشر: أن هذه المظلمة التي ظلمها هي سبب، إما لتكفير سيئة، أو رفع درجة، فإذا انتقم ولم يصبر لم تكن مكفرة لسيئته ولا رافعة لدرجته.

الثامن عشر: أن عفوه وصبره من أكبر الجند له على خصمه، فإن من صبر وعفى كان صبره وعفوه موجبًا لذل عدوه، وخوفه وخشيته منه، ومن الناس، فإن الناس لا يسكتون عن خصمه وإن سكت هو، فإذا انتقم زال ذلك كله ولهذا تجد كثيرًا من الناس إذا شتم غيره أو آذاه يحب أن يستوفي منه، فإذا قابله استراح وألقى عنه ثقلًا كان يجده.

التاسع عشر: أنه إذا عفى عن خصمه، استشعرت نفس خصمه أنه فوقه، وأنه قد ربح عليه فلا يزال يرى نفسه دونه وكفى بهذا فضلًا وشرفًا للعفو.

العشرون: أنه إذا عفى وصفح كانت هذه الحسنة، فتولد له حسنة أخرى، وتلك الأخرى تولد أخرى، وهلم جرا، فلا تزال حسناته في مزيد، فإن من ثواب الحسنة الحسنة، كما أن من عقاب السيئة السيئة بعدها، وربما كان هذا سببًا لنجاته وسعادته الأبدية، فإذا انتقم وانتصر زال ذلك. (قاعدة في الصبر لابن تيمية) .

3 -تسلية للدعاء.

4 -من أخلاق الأنبياء مقابلة الجهل بالغفران.

37 -وعن أبي سعيدٍ وأبي هريرةَ رضيَ الله عنهما، عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ: (( مَا يُصيبُ المُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ، وَلاَ وَصَبٍ، وَلاَ هَمٍّ، وَلاَ حَزَنٍ، وَلاَ أذَىً، وَلاَ غَمٍّ، حَتَّى الشَّوكَةُ يُشَاكُهَا إلاَّ كَفَّرَ اللهُ بِهَا مِنْ خَطَاياهُ ) )مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.

38 -وعن ابنِ مسعودٍ - رضي الله عنه -، قَالَ: دخلتُ عَلَى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وهو يُوعَكُ، فقلت: يَا رسُولَ الله، إنَّكَ تُوْعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا، قَالَ: (( أجَلْ، إنِّي أوعَكُ كمَا يُوعَكُ رَجُلانِ مِنكُمْ ) )قلْتُ: ذلِكَ أن لَكَ أجْرينِ؟ قَالَ: (( أَجَلْ، ذلِكَ كَذلِكَ، مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصيبُهُ أذىً، شَوْكَةٌ فَمَا فَوقَهَا إلاَّ كَفَّرَ اللهُ بهَا سَيِّئَاتِهِ، وَحُطَّتْ عَنْهُ ذُنُوبُهُ كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا ) )مُتَّفَقٌ عَلَيهِ

39 -وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قَالَ: قَالَ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم: (( مَا يَزَالُ البَلاَءُ بالمُؤمِنِ وَالمُؤْمِنَةِ في نفسِهِ ووَلَدِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يَلْقَى الله تَعَالَى وَمَا عَلَيهِ خَطِيئَةٌ ) )رواه الترمذي، وَقالَ: (( حديث حسن صحيح ) ).

40 -وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم: (( مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ ) )رواه البخاري.

وَضَبَطُوا (( يُصِبْ ) )بفَتْح الصَّاد وكَسْرها.

(الْوَصَب) الْوَجَع اللَّازِم، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {وَلَهُمْ عَذَاب وَاصِب} أَيْ لَازِم ثَابِت. وَ (النَّصَب)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت