فهرس الكتاب

الصفحة 87 من 210

ظالم يأخذ فوق حقه -- ومقتصد يأخذ بقدر حقه -- ومحسن يعفو ويترك حقه، ذكر الأقسام الثلاثة في هذه الآية فأولها للمقتصدين، ووسطها للسابقين، وآخرها للظالمين.

وإذا شهد مع ذلك فوت الأجر بالانتقام والاستيفاء سهل عليه الصبر والعفو.

الرابع: أن يشهد أنه إذا عفى وأحسن أورثه ذلك من سلامة القلب لإخوانه، ونقائه من الغش، والغل، وطلب الانتقام، وإرادة الشر، وحصل له من حلاوة العفو ما يزيد لذته ومنفعته عاجلًا وآجلا على المنفعة الحاصلة له بالإنتقام أضعافًا مضاعفة، ويدخل في قوله تعالى (والله يحب المحسنين) فيصير محبوبًا لله، ويصير حاله حال من أخذ منه دراهم فعوض عنها الوفا من الدنانير، فحينئذ يفرح بما من الله عليه أعظم ما يكون فرحًا.

الخامس: أن يعلم أنه ما انتقم أحد قط لنفسه إلا أورثه ذلك ذلًا وجده في نفسه، فإذا عفى أعزه الله.

وهذا مما أخبر به الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام حيث يقول (ما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًا)

فالعز الحاصل له بالعفو أحب إليه وأنفع له من العز الحاصل له بالانتقام، فإن هذا عز في الظاهر وهو يورث في الباطن ذلا؛ والعفو ذل في الظاهر وهو يورث العز باطنًا وظاهرًا.

السادس: وهي من أعظم الفوائد- أن يشهد أن الجزاء من جنس العمل وأنه نفسه ظالم مذنب، وأن من عفى عن الناس عفى الله عنه، ومن غفر غفر الله له.

فإذا شهد أن عفوه عنهم وصفحه وإحسانه مع إساءتهم إليه، سبب لأن يجزيه الله كذلك من جنس عمله فيعفو عنه ويصفح ويحسن إليه على ذنوبه، سهل عليه عفوه وصبره ويكفي العاقل هذه الفائدة.

السابع: أن يعلم أنه إذا اشتغلت نفسه بالانتقام وطلب المقابلة ضاع عليه زمانه وتفرق عليه قلبه، وفاته من مصالحه، ما لا يمكن استدراكه.

ولعل هذا يكون أعظم عليه من المصيبة التي نالته من جهتهم، فإذا عفى وصفح فرغ قلبه وجسمه لمصالحه التي هي أهم عنده من الانتقام.

الثامن: أن انتقامه واستيفائه وانتصاره لنفسه.

فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما انتقم لنفسه قط، فإذا كان هذا خير خلق الله وأكرمهم على الله لم يكن ينتقم لنفسه مع أن أذاه أذى لله ويتعلق به حقوق الدين، ونفسه أشرف الأنفس، وأزكاها، وأبرها وأبعدها من كل خلق مذموم، وأحقها بكل خلق جميل، ومع هذا فلم يكن ينتقم لها، فكيف ينتقم أحدنا لنفسه التي هو أعلم بها وبما فيها من العيوب والشرور بل الرجل العارف لا تساوي نفسه عنده أن ينتقم لها، ولا قدر لها عنده يوجب عليه انتصاره لها.

التاسع: إن أوذي على ما فعله لله أو على ما أمره به من طاعته ونهى عنه من معصيته وجب عليه الصبر ولم يكن له الانتقام.

فإنه قد أوذى في الله، فأجره على الله، ولهذا لما كان المجاهدون في سبيل الله ذهبت دماؤهم وأموالهم في الله لم تكن مضمونة، فإن الله تعالى اشترى منهم أنفسهم وأموالهم، فالثمن على الله لا على الخلق، فمن طلب الثمن منهم لم يكن له على الله ثمن، فإنه من كان في الله نفقه كان على الله خلفه.

العاشر: أن يشهد معية الله معه إذا صبر، ومحبة الله له ورضاه، ومن كان الله معه دفع عنه من أنواع الأذى والمضرات ما لايدفع عنه أحد من خلقه.

قال الله تعالى (واصبروا إن الله مع الصابرين) .

وقال (والله يحب الصابرين) .

الحادي عشر: أن يشهد أن الصبر نصف الإيمان، فلا يبدل من إيمانه جزء في نصرة نفسه، فإن صبر فقد أحرز إيمانه وصانه من النقص والله تعالى يدافع عن الذين آمنوا.

الثاني عشر: أن يشهد أن صبره حكم منه على نفسه وقهر لها، وغلبة لها.

فمتى كانت النفس مقهورة معه مغلوبة، لم تطمع في استرقاقة، وأسره وإلقائه في المهالك، ومتى كان مطيعًا لها سامعًا منها مقهورًا معها لم تزل به حتى تهلكه، أو تتداركه رحمة من ربه، فلو لم يكن في الصبر إلا قهره لنفسه ولشيطانه؛ فحينئذ يظهر سلطان القلب ويثبت جنوده، فيفرح ويقوى ويطرد العدو عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت