فهرس الكتاب
إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) وَنَحْوِهَا مِنَ الْآيَاتِ.
قال تعالى (كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ. أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ) .
وقال تعالى لرسوله - صلى الله عليه وسلم - (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ)
2 -الحديث دليل على صبر الأنبياء على أقوامهم.
الصبر ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: صبر على الطاعة حتى يفعلها.
فإن العبد لايكاد يفعل المأمور به إلا بعد صبر ومصابرة ومجاهدة لعدوه الباطن والظاهر، فبحسب هذا الصبر يكون أداؤه للمأمورات و فعله للمستحبات.
القسم الثاني: صبر عن المنهي عنه حتى لا يفعله.
فإن النفس ودواعيها وتزيين الشيطان، وقرناء السوء؛ تأمره بالمعصية وتجرؤه عليها، فبحسب قوة صبره يكون تركه لها قال بعض السلف: أعمال البر يفعلها البر والفاجر ولا يقدر على ترك المعاصي إلا صديق.
القسم الثالث: الصبر على ما يصيبه بغير اختياره من المصائب وهي نوعان:
النوع الأول: لا اختيار للخلق فيه، كالأمراض وغيرها من المصائب السماوية.
فهذه يسهل الصبر فيها، لأن العبد يشهد فيها قضاء الله وقدره، وإنه لا مدخل للناس فيها، فيصبر إما اضطرارًا، وإما اختيارًا.
النوع الثاني: أن يحصل له بفعل الناس في ماله أو عرضه أو نفسه.
فهذا النوع يصعب الصبر عليه جدًا، لأن النفس تستشعر المؤذي لها، وهي تكره الغلبة، فتطلب الانتقام، فلا يصبر على هذا النوع إلا الأنبياء والصديقون.
وكان نبينا - صلى الله عليه وسلم - إذا أوذي يقول (يرحم الله موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر) .
وأخبر عن نبي من الأنبياء أنه ضربه قومه فجعل يقول (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) .
وقد روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه جرى له هذا مع قومه، فجعل يقول مثل ذلك.
فجمع في هذا ثلاثة أمور: العفو عنهم، والاستغفار لهم، والاعتذار عنهم بأنهم لا يعلمون.
وهذا النوع من الصبر أثمره النصر والعز والسرور والأمن والقوة في ذات الله، وزيادة محبة الله ومحبة الناس له وزيادة العلم، ولهذا قال الله تعالى (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون) .
فبالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين.
ويعين العبد على هذا الصبر عدة أشياء:
أحدها: أن يشهد أن الله سبحانه وتعالى خالق أفعال العباد حركاتهم وسكناتهم وإراداتهم، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فلا يتحرك في العالم العلوي والسفلي ذرة إلا بإذنه ومشيئته، فانظر إلى الذي سلطهم عليك، ولا تنظر إلى فعلهم بك؛ تستريح من الهم والغم والحزن.
الثانية: أن يشهد ذنوبه.
وأن الله إنما سلطهم عليه بذنبه، كما قال تعالى (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير) .
فإذا شهد العبد أن جميع ما يناله من المكروه فسببه ذنوبه، اشتغل بالتوبة والاستغفار من الذنوب التي سلطتهم عليه، عن ذمهم ولومهم والوقيعة فيهم.
وإذا رأيت العبد يقع في الناس إذا آذوه ولا يرجع إلى نفسه باللوم والاستغفار فاعلم أن مصيبته مصيبة حقيقية، وإذا تاب واستغفر وقال: هذا بذنوبي صارت في حقه نعمه.
الثالث: أن يشهد العبد حسن الثواب الذي وعده الله لمن عفى وصبر.
كما قال تعالى (وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين) .
ولما كان الناس عند مقابلة الأذى ثلاثة أقسام: