فهرس الكتاب
الحادية عشرة: إن المصائب والشدائد تمنع من الأشر والبطر والفخر والخيلاء والتكبر والتجبر.
فإن نمرود، لو كان فقيرًا سقيمًا، فاقد السمع والبصر، لما حاجّ إبراهيم في ربه، لكن حمله بطرُ الملك على ذلك، وقد علل الله سبحانه وتعالى مُحاجّته بإتيانه الملك، ولو ابتلى فرعون بمثل ذلك لما قال (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى) وقال تعالى (وَمَا نَقَمُوا إِلّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ) وقال تعالى (إِنَّ الْإِنْسَان لَيَطْغَى. أَن رَأَىهُ اسْتَغْنَى) وقال تعالى (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ) .
وقال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ) .
الثانية عشرة: الرضا الموجب لرضوان الله تعالى، فإن المصائب تنزل بالبَرِّ والفاجر، فمن سخطها فله السخط وخسران الدنيا والآخرة، ومن رضيها فله الرضا والرضا أفضل من الجنة وما فيها؛ لقوله تعالى (وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ) أي: من جنات عدن ومساكنها الطيبة.
2 -الأحاديث دليل على أن المصائب تكفر السيئات، لكن هل ترفع الدرجات؟
قال النووي: قوْله - صلى الله عليه وسلم - (مَا مِنْ مُسْلِم يُشَاك شَوْكَة فَمَا فَوْقهَا إِلَّا كُتِبَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَة، وَمُحِيَتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَة)
وَفِي بَعْض النُّسَخ (وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا) وَفِي رِوَايَة (إِلَّا كَتَبَ اللَّه بِهَا حَسَنَة، أَوْ حُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَة) فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث بِشَارَة عَظِيمَة لِلْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهُ قَلَّمَا يَنْفَكّ الْوَاحِد مِنْهُمْ سَاعَة مِنْ شَيْء مِنْ هَذِهِ الْأُمُور، وَفِيهِ تَكْفِير الْخَطَايَا بِالْأَمْرَاضِ وَالْأَسْقَام وَمَصَائِب الدُّنْيَا وَهُمُومهَا، إِنْ قَلَّتْ مَشَقَّتُهَا. وَفِيهِ رَفْع الدَّرَجَات بِهَذِهِ الْأُمُور، وَزِيَادَة الْحَسَنَات، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ جَمَاهِير الْعُلَمَاء. وَحَكَى الْقَاضِي عَنْ بَعْضهمْ أَنَّهَا تُكَفِّر الْخَطَايَا فَقَطْ، وَلَا تَرْفَع دَرَجَة، وَلَا تُكْتَب حَسَنَة. قَالَ: وَرُوِيَ نَحْوه عَنْ اِبْن مَسْعُود قَالَ: الْوَجَع لَا يُكْتَب بِهِ أَجْر، لَكِنْ تُكَفَّر بِهِ الْخَطَايَا فَقَطْ، وَاعْتَمَدَ عَلَى الْأَحَادِيث الَّتِي فِيهَا تَكْفِير الْخَطَايَا، وَلَمْ تَبْلُغهُ الْأَحَادِيث الَّتِي ذَكَرَهَا مُسْلِم الْمُصَرِّحَة بِرَفْعِ الدَّرَجَات، وَكَتْب الْحَسَنَات.
• قال بعض العلماء أن المصائب على العبد المذنب هي ـ بمجردها ـ عقوبات، تكفر السيئات ولا ترفع الدرجات ولا يُثاب عليها؛ لأن الثواب ورفعة الدرجة إنما تكون على الأعمال والطاعات لا على فعل الرب تعالى المجرد، فإن صبر واحتسب: أٌجر على فعله، الذي هو الصبر والاحتساب، أو الرضا بقضاء الله وقدره إن ترقى إلى ذلك؛ لا على مجرد مصيبته التي أصابته - إلا أن تكون المصيبة بسبب طاعة كما سيأتي -، وهذا قول أجلة مِن الصحابة كأبي عبيدة، وابن مسعود رضي الله عنهما، وأجلة من العلماء المحققين كابن تيمية وابن القيم رحمهما الله.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله:والدلائل على أن المصائب كفارات: كثيرة، إذا صبر عليها: أثيب على صبره، فالثواب والجزاء إنما يكون على العمل وهو الصبر، وأما نفس المصيبة: فهي من فعل الله لا من فعل العبد، وهي من جزاء الله للعبد على ذنبه وتكفيره ذنبه بها، وفي المسند (أنهم دخلوا على أبى عبيدة بن الجراح وهو مريض، فذكروا أنه يؤجر على مرضه، فقال: ما لي من الأجر ولا مثل هذه، ولكن المصائب حِطَّة، فبيَّن لهم أبو عبيدة - رضي الله عنه - أن نفس المرض لا يؤجر عليه، بل يكفر به عن خطاياه.
وقال ابن القيم - رحمه الله: وذكر عن أبي معمر الأزدي قال: كنَّا إذا سمعنا من ابن مسعود شيئًا نكرهه سكتنا، حتى يفسره لنا، فقال لنا ذات يوم:"ألا إن السقم لا يكتب له أجر، فساءنا ذلك وكبر علينا"فقال: ولكن يكفر به الخطيئة، فسرَّنا ذلك وأعجَبَنا.
وهذا مِن كمال علمه وفقهه - رضي الله عنه -؛ فإن الأجر إنما يكون على الأعمال الاختيارية وما تولَّد منها، كما ذكر الله سبحانه النوعين في آخر سورة (التوبة) في قوله في المباشر من الإنفاق وقطع الوادي (إِلاَّ كُتِبَ لَهُم) وفي المتولد من إصابة الظمأ والنصب والمخمصة في سبيله وغيظ الكفار (إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ) فالثواب مرتبط بهذين النوعين.
وأما الأسقام والمصائب: فإن ثوابها: تكفير الخطايا ولهذا قال تعالى (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ) والنبي - صلى الله عليه وسلم - إنما قال في المصائب (كفَّر الله بها من خطاياه) ، وكذا قوله (المرض حطة) فالطاعات ترفع الدرجات، والمصائب تحط السيئات، ولهذا قال (من يرد الله به خيرًا يصب