فهرس الكتاب
وسأل عمر بن عبد العزيز من ظن به إجابة الدعاء أن يدعو له بالموت، لما ثقلت عليه الرعية، وخشي العجز عن القيام بحقوقهم.
وطُلب كثير من السلف الصالح إلى بعض الولايات، فدعوا لأنفسهم بالموت فماتوا.
واشتهر بعضهم واطلع على بعض عمل أحدهم أو معاملته مع الله فدعا لنفسه بالموت فمات.
وكان سفيان الثوري يتمنى الموت كثيرًا فسئل عن ذلك فقال: ما يدريني لعلي أدخل في بدعة، لعلي أدخل فيما لا يحل لي، لعلي أدخل في فتنة أكون قد مت فسبقت هذا.
وفي المسند عن محمود بن لبيد. عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال (اثنتان يكرههما ابن آدم: الموت، والموت خير للمؤمن من الفتنة، ويكره قلة المال، وقلة المال أقل للحساب) .
3 -الحكمة من تحريم تمني الإنسان الموت بسبب الضر الدنيوي، لأمور:
أولًا: أنه يدل على عدم الصبر، والمسلم مطالب بالصبر والاحتساب.
ثانيًا: أن بقاء المسلم قد يكون خيرًا له.
ففي الحديث - وقد سبق - (لا يتمنين أحدكم الموت، إما محسنًا فلعله أن يزداد خيرًا، وإما مسيئًا فلعله أن يستعتب) أي يتوب، وعند أحمد (وأنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرًا) .
قال الحافظ: فيه إشارة إلى أن المعنى في النهي عن تمني الموت والدعاء به هو انقطاع العمل بالموت، فإن الحياة يتسبب منها العمل، والعمل يحصل زيادة الثواب، ولو لم يكن إلا استمرار التوحيد فهو أفضل الأعمال.
وقد قال - صلى الله عليه وسلم: (إنه إذا مات أحدكم انقطع عمله) .
ثالثًا: أن الإنسان لا يدري ما الأفضل له، البقاء أم الموت.
4 -الحكمة من هذا الدعاء (اللهم أحيني ... ) لمن كان داعيًا بالموت، لأن في هذا الدعاء استسلام لقضاء الله، والمسلم يقول هذا الدعاء، لأنه لا يعلم هل الخير البقاء أم في الموت، فشرع قول هذا الدعاء لأن فيه رد ذلك إلى الله الذي يعلم عاقبة الأمور.
5 -فإن قال قائل: ما الجمع بين هذا الحديث، وقول يوسف (ربّ توفني مسلمًا ... ) ؟
قال القرطبي: قيل: قال قتادة: لم يتمنى الموت أحد، نبي ولا غيره، إلا يوسف حين تكالبت عليه النعم وجُمع له الشمل، اشتاق إلى لقاء ربه.
وقيل: إن يوسف لم يتمن الموت وإنما تمنى الموافاة على الإسلام، أي إذا جاء أجلي توفني مسلمًا، وهذا هو القول في تأويل الآية عند أهل التأويل.
7 -أنه لا يعلم الغيب إلا الله.
8 -في قوله (اللهم أحيني ما كانت ... ) تفويض وتسليم للقضاء.
9 -أن الموت قد يكون خيرًا للإنسان، لقوله: (ما كانت الوفاة خيرًا لي) .
10 -ثبوت علم الله للمستقبل.
41 -وعن أبي عبد الله خَبَّاب بنِ الأَرتِّ - رضي الله عنه -، قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ متَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ في ظلِّ الكَعْبَةِ، فقُلْنَا: أَلاَ تَسْتَنْصِرُ لَنَا ألاَ تَدْعُو لَنا؟ فَقَالَ: (( قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ في الأرضِ فَيُجْعَلُ فِيهَا، ثُمَّ يُؤْتَى بِالمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأسِهِ فَيُجْعَلُ نصفَينِ، وَيُمْشَطُ بأمْشَاطِ الحَديدِ مَا دُونَ لَحْمِه وَعَظْمِهِ، مَا يَصُدُّهُ ذلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللهِ لَيُتِمَّنَّ الله هَذَا الأَمْر حَتَّى يَسيرَ الرَّاكبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَموتَ لاَ يَخَافُ إلاَّ اللهَ والذِّئْب عَلَى غَنَمِهِ، ولكنكم تَسْتَعجِلُونَ ) )رواه البخاري.
وفي رواية: (( وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً وَقَدْ لَقِينا مِنَ المُشْرِكِينَ شدَّةً ) ).
(خَبَّاب بنِ الأَرتِّ) صحابي جليل، من السابقين إلى الإسلام، وهو أول من أظهر إسلامه، وأوذي في سبيل الله، مات عام (37) هـ بالكوفة.
(متوسد بردة) أي: كساء مخططًا، والمعنى جاعل البردة وسادة له , من توسد الشيء جعله تحت رأسه.
(ألاَ تَدْعُو لَنا) أي على المشركين فإنهم يؤذوننا.