فهرس الكتاب
""""""صفحة رقم 53""""""
وهو طور آخر من أطور وجوده . فيدرك فيه أمورًا زائدة على عالم المحسوسات ، ولا يوجد منها شيء في عالم الحس . ثم يترقى إلى طول آخر ، فيخلق له العقل ، فيدرك الواجبات والجائزات والمستحيلات ، وأمورًا لا توجد في الأطوار التي قبله . ووراء العقل طور آخر تفتح فيه عين أخرى يبصر بها الغيب وما سيكون في المستقبل ، وأمورًا أخر ، العقل معزول عنها كعزل قوة التمييز . من إدراك المعقولات ، وكعزل قوة الحس عن مدركات التمييز ، وكما أن المميز لو عرضت عليه مدركات العقل لأباها واستبعدها ، فكذلك بعض العقلاء أبوا مدركات النبوة واستبعدوها ، وذلك عين الجهل: إذ لا مستند لهم إلا أنه طور لم يبلغه ولم يوجد في حقه ، فيظن أنه غير موجود في نفسه . والأكمه لو لم يعلم بالتواتر والتسامع الألوان والأشكال ، وحكي له ذلك ابتداء ، لم يفهمها ولم يقربها . وقد قرب الله تعالى على خلقه بأن أعطاهم نموذجًا من خاصية النبوة ، وهو النوم ، إذ النائم يدرك ما سيكون من الغيب ، إما صريحًا وإما في كسوة مثال يكشف عنه التعبير . وهذا لو لم يجربه الإنسان من نفسه - وقيل له: إن من الناس من يسقط مغشيًا عليه كالميت ، ويزول عنه إحساسه وسمعه وبصره فيدرك الغيب - لأنكره ، وأقام البرهان على استحالته وقال: القوى الحساسة أسباب الإدراك فمن لا يدرك الأشياء مع وجودها وحضورها ، فبأن لا يدرك مع ركودها أولى وأحق . وهذا نوع قياسي يكذبه الوجود والمشاهدة فكما أن العقل طور من أطوار الآدمي ، يحصل فيه عين يبصر بها أنواعًا من المعقولات ، والحواس معزولة عنها ، فالنبوة أيضًا عبارة عن طور يحصل فيه عين لها نور يظهر في نورها