فهرس الكتاب
وإذا كان كذلك كان إتيان الأسواق على خلاف الأصل فإن اجتناب مثل هذه البقاع التي هي مبغضة إلى الله جل وعلا على هذا التقعيد مطلوب، ولكن البخاري رحمه الله بين أن هذا ليس على ظاهره أو ليس على إطلاقه من جهة أن إتيان الأسواق يُترك مطلقًا، بل إذا احتاج المرء أتى السوق، وأن خيار عباد الله كانوا يأتون الأسواق.
فهذا عمر - رضي الله عنه - يقول: ألهاني الصفق في الأسواق وهو أفضل هذه الأمة بعد أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - ولم ينزل هذا من مرتبته، والنبي - أتى السوق، بل أتى سوق بني قينقاع وهو سوق اليهود لحاجة له عليه الصلاة والسلام، وبين عليه الصلاة والسلام أن صلاة الرجل في جماعة تفضل صلاته في بيته أو في سوقه بضعًا وعشرين درجة وأشباه ذلك.
فهذه كلها تدل على أن إتيان السوق لا حرج فيه، وأن من احتاج فإنه يذهب إلى السوق ويشتري حاجته بنفسه، وأن البيع والشراء في الأسواق لا بأس به لمن قام بحق الله جل وعلا فيه وحق عباده وهذا ظاهر، وأما من منع إتيان الأسواق أو أختار لأهل الفضل أو العلم ألا يدخل السوق البتة فهذا مخالف لما كان عليه هدي النبي عليه الصلاة والسلام وهدي أصحابه، فقد كانوا يدخلون الأسواق ويبتاعون ويشترون ما يجتاجون إليه مع القيام بحق الله جل وعلا وحقوق عباده في ذلك.
وأما آخر الأحاديث التي ذكرها وهي ما ورد في بيع الطعام (( من باع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه ) )والمقصود منه الطعام الذي يباع كومة يعني الذي يكال ويكون صبرة؛ فإنه لابد من استيفائه ولابد من نقله، يعني حتى يتم انتقال البيع من البائع إلى المشتري.
وكما جاء في حديث ابن عمر: كان الناس يضربون في الأسواق في عهد النبي - وفي عهد الصحابة على بيع الطعام حتى يؤوه إلى رحالهم