الصفحة 68 من 579

وكذلك في الولايات العامة التي اشتغل بها عمر - رضي الله عنه - واشتغل بها الأمراء من الصحابة الذين تفرقوا في البلدان، الأمير غير القاضي، غير المعلم، فكان يبعث أمير، ويبعث أيضًا قاضٍ، ويبعث معلم في بعض البلاد، كما بعث عمر إلى الكوفة الثلاثة، فالمقصود أن الفاضل قد ينشغل بالولايات العامة نظرًا إلى أنها أفضل من تحقيق المصالح الخاصة، ولهذا تجد أن عمر - رضي الله عنه - فيما ولي من الأمر العام للمسلمين وكذلك أمراء الصحابة في البلاد، لم يتفرغوا للناس في تعليمهم، وفي الجلوس لهم وفي التحديث لهم كما كان عليه صغار الصحابة من مثل ابن عمر وابن عباس وأنس وأشباه هؤلاء، وكان أولئك أفضل مع أنهم لم ينشغلوا عن العلم أو عن تعليمه أو عن إرشاد الناس إلا بما هو أفضل قطعًا عندهم.

ولهذا القاعدة عند المحققين من أهل العلم، أن الأجر في الأعمال التي يليها المرء أعمال النوافل من العبادات والطاعات أو بعض الفرائض، إذا تمايزت وتفاضلت، الأجر يكون بقدر تحقيق المصالح، فإذا كانت مصلحة العمل أعظم، كان الأجر أعظم، وإذا كانت مصلحة العمل أقل كان الأجر فيها أقل، لأن الشريعة مبنية على تحصيل المصالح، وتكميلها ودرء المفاسد وتقليلها، وهب بهذا كما قال طائفة من العلماء من شيخ الإسلام، وابن القيم وجماعات: أن توجيه ترك بعض الصحابة الزيادة في التعلم، والالتقاء بالنبي عليه الصلاة والسلام، والإكثار من سماع حديثه عليه الصلاة والسلام مع أن في هذا حفظ الدين لكن هم انشغلوا بواجب أخر لابد لهم منه، وذلك الواجب كان مرجحًا لما تركوه، فلا يقال: أن مثل أبي هريرة - رضي الله عنه - ومثل ابن عمر وأنس ومن كانوا قريبين من النبي - أنهم أفضل ممن كانوا بعيدًا عنه ولم يسمع من حديثه إلا ما هو أقل مما سمعه أولئك، بل الفضل منوط بتحصيل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت