فهرس الكتاب
فإذًا أطيب الكسب بعمومه، هو كل ما يعمله المرء بنفسه ويعانيه، ويدخل في هذا أصناف كثيرة، والصحابة رضوان الله عليهم كانوا يعملون بأيديهم، ويتحركون في طلب معاشهم ولهذا كانت لهم أرواح كما جاء في الحديث، يعني تخرج لهم روائح ويأتون إلى الجمعة ولهم ريح متغيرة، كريهة، فأمرهم النبي عليه الصلاة والسلام بالاغتسال، ليوم الجمعة، لصلاة الجمعة، حتى إذا حضروا مع اجتماع الناس والازدحام تكون الروائح الطيبة، وندبهم إلى الطيب بعد ذلك، أبو بكر - رضي الله عنه - قبل أن يلي الخلافة، كان صاحب عمل، ويعمل وربما ذهب إلى بعض المسلمين في أشياء ليس من ورائها كسب، مثل حلب بعض الشياه، بعض الماعز، ومثل الإتيان بما تيسر لأهل الحاجات، ونحو ذلك، العمال والأمراء للخلفاء بل وللنبي - إذا انشغلوا بهذه، عن أعمال يدهم وعن الكسب في معايشهم، فإن لهم في بيت المال أن يأخذوا ما يكفيهم.
ولهذا ثبت عنه عليه الصلاة والسلام، أنه قال: من كان في عملنا هذا فليتخذ خادمًا، وليتخذ دابة، وفي بعضها وليتخذ دارًا، وعمر - رضي الله عنه - لما بعث إلى الكوفة ابن مسعود وعمار بن ياسر وغير هذين عمالًا بعضهم أميرًا وبعضهم قاضيًا، وبعضهم معلمًا قال: رتب لهم في كل يوم شاة، يعني واحدة من الضأن ليأكلها، وذاك لأنهم ستشغلهم تلك الأمور عن الكسب لأنفسهم، وهكذا فعل أبو بكر الصديق فإنه لما وليَّ الخلافة، ذهب إلى السوق على عادته، فقيل له في ذلك، قال من أين أكسب لولدي، فذكر بما جاء في هذا، فرتب له مالًا، واتخذ خادمًا إلى آخر ذلك، المقصود من هذا، أن ما يكسبه المرء بعمله، وليس بعالة على الآخرين فيما يكسب فهذا كسب فاضل، وهذا الكسب الفاضل متفاوت، فأعظمه ما يعاني فيه المرء