الصفحة 90 من 579

من أكل الربا فما في يديه من الأموال الربوية التي أكلها وانتهت عقودها فإنه تصبح مباحة له لأن الله جل وعلا قال {فله ما سلف} واللام على هذا تكون للتمليك، يعني فيملك ما سلف لأنه أكله، لأنه أكل الربا إما قبل تحريمه وإما قبل التوبة عنه، فيدخلون التائب من الربا في عموم قوله {فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله} فعلى هذا القول من تاب من أهل الربا لا يؤمر وجوبًا بالانسلاخ من جميع ماله الذي أكله من الربا السالف، وإنما يؤمر برد رأس المال في العقود التي هي باقية حين التوبة، فمثلًا حين تاب ثم رأس مال باق عنده يعني من الربا، فيه عقد قائم بأنه أقرض ويرجعه إليه، مائة ألف يرجعها إليه مائة وخمسين ألف، فهذا باطل، لقوله جل وعلا {فإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تُظلمون} هذا في شأن العقد الحاضر.

أما العقود السالفة فعلى القولين الذين ذكرتهما لك، جمهور أهل العلم يرون الانسلاخ منها وجوبًا وأن الأموال المحرمة لا يحلها الجهل بتحريمها أو التوبة منها فلا يحل المال المحرم الجهل لأنه محرم، ولا يحلها التوبة منها وإنما الجهل والتوبة هذه ترفعان الإثم، أما حل المال فلا يحل لجاهل ولا لتائب، هذا قول أكثر أهل العلم، وآخرون قالوا هذا فيه حجر للتوبة وأهل هذه الأموال إذا رأوا أنه إذا تاب، فإنهم ينسلخون عن مال كثير كثير، بل ربما صاروا فقراء، بعد الانسلاخ من الأموال الربوية فإن ذاك يحجزهم عن التوبة، فذكروا من ظاهر الآية أن قوله {فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف} يعني من الأموال، وأمره إلى الله هل يغفر له أو لا يغفر له إلا إذا صدق التوبة وصارت توبته نصوح مع الندم والعزم على ألا يعود إلى آخر ذلك. وهذا يفتي به بعض أهل العلم من الحنابلة وأهل الحديث وجماعة، على كل في الآية فوائد كثيرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت