فهرس الكتاب
الشرح:
الأحاديث هذه فيها فوائد كثيرة تأتي إن شاء الله في مواضيعها من الأبواب، لكن في هذا الحديث الأخير، في ذكر النخلة وعليه الصلاة والسلام لما قدم المدينة اختط المسجد، بناه من جذوع النخل لأنه كان في المكان، نخلًا فأمر بها أن تقطع، كان فيها شيء من النخل حائط لبعض الأنصار، فأمر بها أن تقطع، فبقيت جذوع، فجعلها سواري للمسجد، وهو قوله هنا: (فصاحت النخلة) المقصود بها الجذع، جذع النخلة الذي كان أحد سواري المسجد، يستند إليه رسول الله - حين كان يخطب، فكان قريبًا من الذكر، ولما فقد النبي عليه الصلاة والسلام وابتعد عنه، قال هنا: (صاح حتى كاد أن ينشق) يعني من قوة الصياح، وفي لفظ آخر (سُمع له حنين، كحنين العشار) يعني فيه صوت وفيه رهج وفيه ترجيع إلى آخر ذلك، فأتاه النبي عليه الصلاة والسلام، فضمه، فجعل يُسكته كما يسكت الصبي، حتى سكن. وهذا أمر عظيم، فيه دلالة لمذهب أهل السنة في أن ما يسمى بالجماد إنما هو الذي ليس له حركة ظاهرة، وأن الحياة فيه كغيره، له حياة تخصه، وشعور يخصه وإرادة تخصه، والجماد من الجمود: وهو عدم الحركة الظاهرة، وليس هو من عدم الحياة، فالجدار له حياة خاصة به عند أهل السنة، والجبل له حياة خاصة به، والطعام له حياة خاصة به، والجذع، جذع الشجر بعد قطعه له حياة خاصة به، والنبات له حياة خاصة به، ولا يقال في هذا: أن الجماد بمعنى أنه لا حياة فيها، بل كل شيء من المخلوقات له حياة، لكن نوع الحياة تختلف، فحياة الإنسان هذا بالروح، وحياة الشجر بالنماء، وحياة الجمادات بشيء آخر لا نعلمه. ولهذا الله جل وعلا نسب للجمادات هذه القول ونسب لها الفعل في القرآن، وكذلك نصوص السنة فيها من هذا شيء كثير.