النقلة النوعية التي حصلت في العلم التقني على يد المسلمين، والنقلة النوعية التي حدثت في العلم التقني الحديث بدأت كلها من البعد الرابع في عملية البحث العلمي، وهو محاولة التعرف على المتاح والإفادة منه، إن كان معطى، أو التعامل معه وتفكيكه إن كان مشكلةً.
فترسيخ القرآن الكريم لمبدأ النظر (المشاهدة، أو الرصد) ، والتدبر (التفكير والتحليل) بالحث على السير في الأرض والتدبر في مخلوقات الله، وآياته الكونية، خلَّص"البحث العلمي"من سفسطة الحضارات القديمة ونقل الناس للعلوم الحديثة، فظهرت الجغرافيا، وظهرت الكمياء، والفيزياء، والجيولوجيا، والطب، والصيدلة.
وقدوم أمريكا من خلف البحار بعد الحرب العالمية الثانية تائهة لا تعرف كثيرًا عن ما كانت تحتله بريطانيا وفرنسا من دول الشرق، أوجد النظريات الحديثة في العلوم الاجتماعية وخاصة السياسية، فمن الحدث ... من المشاكل الاجتماعية ... من الحاجة التقنية تم تطوير عملية"البحث العلمي"، فكتب"ديفيد ايستن David Easton"، و"جبرائيل آلمند Gabriel A. Almond"، ونشطت العلوم الطبعية بدوافع من الواقع ... الحرب العالمية الثانية، ثم الحرب الباردة، ثم رؤوس الأموال.
وفي مصر لم نبدأ المشوار بعد، فلا إرادة سياسية معقولة، ولا ميزانية تكفي، ولا توجه دراسي عام يخدم"البحث العلمي"، وما هو موجود أشبه ما يكون بالجهود الفردية. والسبب الرئيسي في تخلف"البحث العلمي"هو هذا البعد الرابع ... هو غياب الهوية، أو قل غياب الإرادة القومية، هو غياب الوعي بأننا أمة مستضعفة ... هو عدم وجود هدف كلي للأمة تشتد إليه وتركب البحث العلمي للحصول عليه. فقبل الحديث عن"البحث العلمي"علينا أن نصلح دائرة السياسة، ونصلح دائرة الهوية، ونعيد للأمة هويتها ... لتقرأ الواقع جيدًا ثم تبدأ .. من الواقع ... إمكاناته وتحدياته تبدأ.