الصفحة 101 من 961

""""""صفحة رقم 112""""""

وقال أبو العباس بن المعتز: لحظةُ القلب أسرع خطرةً من لحظة العين ، وأبعدُ مَجالًا ، وهي الغائصة في أعماق أوْدِيةِ الفكر ، والمتأملة لوجوه العواقب ، والجامعةُ بين ما غاب وحَضَر ، والميزانُ الشاهدُ على ما نَفَع وضَرَّ ، والقلبُ كالمُمْلِي للكلام على اللسان إذا نطق ، واليد إذا كتبت ، والعاقل يكسو المعاني وَشْيَ الكلام في قلبه ، ثم يُبديها بألفاظ كَوَاسٍ في أحسن زينة ، والجاهلُ يستعجلُ بإظهار المعاني قبل العناية بتزيين مَعَارضها ، واستكمال محاسنها .

وقيل لجعفر بن يحيى البرمكي: ما البيان ؟ قال: أن يكونَ الاسمُ يحيط بمعناك ، ويَكْشِف عن مَغْزَاكَ ، ويخرجه من الشركة ، ولا يُسْتَعان عليه بالفكر ، ويكون سليمًا من التكلُفِ ، بعيدًا من الصَّنعة ، بَرِيئًا من التعقيد ، غَنِيًًّا عن التأويل .

وذكر سهل بن هارون - وقيل ثُمَامة بن أشرس - جعفرَ بن يحيى فقال: قد جَمَع في كلامه وبلاغته الهَذَّ والتمهل ، والجزالة والحلاوةَ ، وكان يُفهم إفهامًا يُغْنيه عن الإعادة للكلام . ولو كان يَسْتَغني مستغنٍ عن الإشارة بمنطقه لاستغنى عنها جعفر . كما استغنى عن الإعادة فإنه لا يتَحبَّسُ ولا يتوقف في منطِقه ولا يتلَجْلَجُ ، ولا يتسعَّل ، ولا يترقّب لفظًا قد استدعاه من بُعْد ، ولا يتلّمس معنًى قد عصاه بعد طلبه له .

وقيل لبشَّار بن بُرْد: بِمَ فقْتَ أهل عمرك ، وسبقتَ أهْلَ عصرك ، في حسن معاني الشعر ، وتهذيب ألفاظه ؟ فقال: لأني لم أقبل كل ما تُورِدُهُ علي قريحتي ، ويُنَاجيني به طَبْعِي ، ويبعثه فكري ، ونظرت إلى مغارس الفطن ، ومعادن الحقائق ، ولطائف التشبيهات ، فسِرْتُ إليها بفهمٍ جيد ، وغريزة قوية ، فأحكمت سَبْرَها ، وانتقيت حُرها ، وكشفتُ عن حقائقها ، واحترزتُ من متكلَفها ، ولا والله ما ملك قيادي قَطُ الإعجابُ بشيء مما آتي به .

وكان بشارُ بن برد خطيبًا ، شاعرًا ، راجزًا ، سجاعًا ، صاحب منثور ومزدوج ، ويلقب بالمرعَّث لقوله: مجزوء الخفيف:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت