""""""صفحة رقم 14""""""
وهو كتابٌ يتصرَف الناظرُ فيه من نثره إلى شعرهِ ، ومطبوعهِ إلى مصنوعهِ ، ومحاورتهِ إلى مفاخرته ، ومُنَاقَلَته إلى مُسَاجَلَته ، وخطابه المبهت إلى جوابه المُسْكِت ، وتشبيهاته المُصيبة إلى اختراعاته الغريبة ، وأوصافه الباهرة إلى أمثاله السائرة ، وجِدِّهِ المعجب إلى هَزْلِهِ المُطْرِب ، وجَزْلِهِ الرائع إلى رقيقه البارع .
وقد نزعْتُ فيما جمعت عن ترتيب البيوت ، وعن إبعاد الشكل عن شكله ، وإفراد الشيء من مِثْلِه ؛ فجعلتُ بعضَه مُسَلْسَلًا ، وتركتُ بعضَه مُرْسَلًا ؛ ليحصل مُحَرَر النَّقْدِ ، مُقَدَر السرْد ؛ وقد أخذ بِطَرَفَي التأليف ، واشتمل على حاشِيَتَي التصنيف ؛ وقد يَعزُ المعنى ، فأُلحقُ الشَّكْلَ بنظائره ، وأعلق الأول بآخره ، وتبقى منه بقية أفرّقها في سائره ؛ ليسلَمَ من التطويل الممل ، والتقصير المخلّ ، وتظهر في التجميع إفادةُ الاجتماع ؛ وفي التفريق لَذَاذَة الإمتاع ، فيكمل منه ما يُونِقُ القلوبَ والأسماع ؛ إذ كان الخروجُ من جِدّ إلى هَزْل ، ومن حَزْن إلى سَهْل أنْفَى للكَلَل ، وأبْعَدَ من المَلل ؛ وقد قال إسماعيل بن القاسم هو أبو العتاهية: البسيط:
لا يُصْلِحُ النفسَ إذ كانت مُدَابرةً . . . إلاَ التنقلُ من حالٍ إلى حالِ
وكان السببُ الذي دعاني إلى تأليفه ، ونَدبني إلى تصنيفه ، ما رأيته من رغبة أبي الفضل العباس بن سليمان - أطال الله مُدَته ، وأدام نعمته - في الأدب ، وإنفاق عمره في الطلب وماله في الكتب ؛ وأنَّ اجتهادَه في ذلك حمله على أن ارتحلَ إلى المشرق بسببها ، وأغمضَ في طلبها ، باذلًا في ذلك ماله ، مستعذبًا فيه تعبَهُ ، إلى أن أورد من كلامِ بلغاء عصره ، وفصحاء دهره ، طرائف طريفة ، وغرائب غريبة ، وسألني أن أجمعَ له من مُخْتارها كتابًا يكْتَفي به عن جملتها ، وأضيف إلى ذلك من كلام المتقدّمين ما قارَبه وقارَنه ، وشابهه