فهرس الكتاب
""""""صفحة رقم 51""""""
فبكى معاوية حتى أخْضَلَتْ دُموعُهُ لحيتَهُ ؛ وقال: رَحِمَ اللَهُ أبا الحسن فلقد كان كذلك ، فكيفَ حُزْنُكَ عليه يا ضِرَار ؟ قال: حُزْنُ مَنْ ذُبحَ وَاحِدُهَا في حِجْرِها وقال عليّ ، رضوان الله عليه: رَحِمَ اللَّهُ عبدًا سَمِعَ فوَعَى ، ودُعِيَ إلى الرشاد فَدَنا ، وأخذ بحُجْزَة هَادٍ فنجا ، وراقبَ رَبَّه ، وخافَ ذَنْبَهُ ، وقدَّم خالصًا ، وعملَ صالحًا ، واكتسبَ مَذْخُورًا ، واجتنب محذورًا ، ورمى غَرضًا ، وكابرَ هوَاهُ ، وكذَب مُنَاهُ ، وحذرَ أجلًا ، ودَأب عملًا ، وجعلَ الصبرَ رغبةَ حياته ، والثقَى عُدَّةَ وفاته ، يُظهِرُ دون ما يكتُمُ ، ويكتفي بأقل مما يعلم ، لزمَ الطريقة الغرَّاء ، والمحجة البيضاء ، واغتنمَ المهلَ ، وبادرَ الأجَلَ ، وتزَوَدَ من العَمل .
ولما رَجع ، رضي اللّه عنه ، من صِفَين ، فدخلَ أوائلَ الكوفة إذا قَبْرٌ ، فقال: قَبْرُ مَنْ هذا ؟ فقيل: خباب بن الأرَتِّ ، فوقفَ عليه ، وقالَ: رحم الله خَبَّابًا أسلمَ رَاغِبًا ، وهاجرَ طائعًا ، وعاشَ مجاهِدًا ، وابْتُلِيَ في جسمه أحوالًا ، ولن يضيع اللَهُ أجرَ مَنْ أحسَنَ عملًا .
ومضى فإذا هو بقبور ، فوقف عليها ، وقال: السلامُ عليكم أهلَ الديار المُوحِشة ، والمحال المقْفِرَةِ ، أنتم لنا سَلَف ، ونحنُ لكم تُبع ، وبكم - عمّا قليل - لاحِقُون ؛ اللهمَ اغْفِرْ لنا ولهم ، وتجاوزْ عنَا وعنهم بعَفْوِكَ ؛ طُوبى لمن ذكرَ المَعَاد ، وعَمِلَ للحساب ، وقَنِعَ بالكَفَاف . ثم التفت ، رضي الله عنه ، إلى أصحابه ، فقالَ: أما إنهم لو تكلَمُوا لقالوا: وَجدْنا خيرَ الزادِ التقْوَى .
وذَمَّ رجُلٌ الدنيا بِحَضْرَةِ علي ، رضي الله عنه ، فقال: دارُ صِدْق لمن صدقها ، ودَارُ نجاةِ لمن فهم عنها ، ودارُ غِنًى لمن تزوَدَ منها ، مهْبِط وَحْيِ اللَهِ ، ومُصلَى ملائكته ، ومَسْجِد أنبيائه ، ومَتْجَرُ أوليائه ، رَبِحُوا فيها الرحمة ، واكتسبوا فيها الجنة ، فمن ذا يذقها ، وقدْ آذَنتْ بِبيْنهَا ، ونادت بِفِرَاقها ، وذكَّرَتْ بسرورها السرور ، وببلائها البلاء ، ترغيبًا وترهيبًا ، فيأيهَا الذام لها ، المعقَل نفسه بغرورها ، متى خدٌعتْكَ الدُّنيا ؟ أم بماذا أسْتَذَمَتْ إليك ، أبِمَصْرًع آبائكَ في البلى ؟ أم بِمَضْجَع أُمهاتك في الثرَى ، كم مرضت بكفيك ، وكم عللت بيديك ، تطلبُ له الشفاء ، وتستوصفُ الأطباء ، غَداةَ لا ينفعُه بكاؤك ، ولا يُغْنِي دواؤك .