الصفحة 48 من 961

""""""صفحة رقم 59""""""

ومَنْ يدعو الجَفَلَى ، ولا يَدْعُو النَقَرَى ، إنْ أحْسِنَ إليه شكر ، وإنْ أسِيءَ إليه غَفَرَ ، ثم يكون وراء ذلك لرعيته عِمَادًا يَدْفعُ عنها المُلّمات ، ويكشفُ عنهم المعضلات .

فقال له معاوية: ها هنا يا أبا بحر ثم تلا: ' وَلَتَعْرِفَنَهُمْ في لَحْنِ الَقْوْل ' . ومن جميل المحاورات ما رواه المدائني ، قال: وَفَدَ أهل العِراق على معاوية ، رحمه اللّه ، ومعهم زيادٌ ، وفيهم الأحنف ، فقال زياد: يا أميرَ المؤمنين ، أَشْخَصَتْ إليك أقْوَامًا الرغبةُ ، وأقعد عنكَ آخرين العُذْرُ ، فقد جعلَ الله تعالى في سَعَة فضلك ما يُجْبَرُ به المتخلّف ، ويكافأُ به الشاخص . فقال معاوية: مرحبًا بكم يا معشر العرب ، أما والله لئن فَرَّقَتْ بينكم الدعوة ، لقد جمعتكم الرَحِم ؛ إن الله اختاركم من الناس ليختارَنا منكم ، ثم حفظ عليكم نَسَبَكُمْ بأن تخيَّر لكم بلادًا تجتاز عليها المنازل ، حتى صفَاكم من الأُمم كما تُصَفَّى الفضةُ البيضاء من خَبَثِهَا ؛ فصونوا أخلاقكم ، ولا تُدنسُوا أنسابَكم وأعراضَكم ، فإن الحسنَ منكم أحسَنُ لِقُرْبكم منه ، والقبيح منكم أقبح لبعدكم عنه .

فقال الأحنف: واللّه يا أمير المؤمنين ، ما نَعْدَم منكم قائلًا جزيلًا ، ورأيًا أصيلًا ، ووعدًا جميلًا ؛ وإن أخاك زيادًا لمتبعٌ آثارَك فينا ، فنستمتع اللّه بالأمير والمأمور ، فإنكم كما قال زُهَيْر ، فإنه ألقى على المدَاحين فصول القول: الطويل

وما يكُ مِنْ خَيْرٍ أَتَوْهُ فَإنَّمَا . . . تَوَارَثَهُ آباءُ آبَائِهِمْ قَبْلُ

وهَلْ يُنْبِتُ الْخَطَيَّ إلاَّ وَشِيجُهُ . . . وتُغْرِسُ إلاَ في مَنَابِتِهَا النَخْلُ ؟

وهذان البيتان لزهير بن أبي سلمى المزني في قصيدة يقول فيها:

وفيهِمْ مقامَات حِسَانٌ وُجُوهُهَا . . . وَأَنْدِيًةٌ يَنتابُهَا الْقَوْلُ والْفعْلُ

عَلَى مُكْثِريهِمْ رزْقُ مَنْ يَعْتَرِيهِم . . . وعندَ المُقلَينَ السَّمَاحَةُ والْبَذْلُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت