الصفحة 94 من 961

""""""صفحة رقم 105""""""

وحسن الوَصل ، كحُسْنِ القطع ، في المعنى والسمع ، وكانت كلُّ كلمة قد وقَعتْ في حقِّها ، وإلى جَنب أُختها ، حتى لا يقالَ: لو كان كذا في موضع كذا لكان أولى وحتى لا يكونَ فيه لفظٌ مختلف ، ولا معنى مُستَكرَه ، ثم أُلبسَ بَهَاءَ الحكمة ، ونورَ المعرفة ، وشرفَ المعنى ، وجَزالة اللّفظ ، وكانت حلاوتُه في الصدر وجلالته في النفس تفتِّقُ الفهم ، وتنثر دقائقَ الحكم ، وكان ظاهرَ النفع ، شريفَ القَصْد ، معتدلَ الوَزْنِ ، جميل المذهَبِ ، كريمَ المطلب ، فصيحًا في معناه ، بينًا في فَحْواه ؛ وكلُّ هذه الشروط قد حواها القرآن ، ولذلك عَجَزَ عن معَارَضته جميعُ الأنام .

ألفاظ لأهل العصر في ذكر القرآن

القرآن حبل اللَّه الممدود ، وعَهده المعهود ، وظلُه العميم ، وصرَاطه المستقيم ، وحجَّتُه الكبرى ، ومحجّته الوسطَى ، وهو الواضح سبيلُه ، الراشدُ دليلُه ، الذي سَنِ استضاءَ بمصابيحه أبْصَر ونَجَا ، ومَنْ أعرض عنه ضَلَّ وهَوَى ؛ فضائل القرآن لا تُسْتقصى في ألفِ قرن ، حجّة اللّه وعهْده ، ووعيدُه ووعده ، به يعلمُ الجاهلُ ، ويعملُ العامِلُ ، ويتنبَّه الساهي ، ويتذكَّر اللاهي ، بَشِيرُ الثواب ، ونَذِيرُ العقابِ ، وشفاءُ الصدور ، وجَلاءُ الأمورِ ؛ من فضائله أنه يُقْرَأُ دائمًا ، ويُكتَبُ ، ويُمْلَى ، ولا يَملّ . ما أهْون الدنيا على مَنْ جعل القرآن إمامه ، وتصوَّر الموتَ أمامه ، طوبى لمن جعل القرآن مصباح قلبه ، ومفتاح لُبِّه . من حقّ القرآن حِفْظُ ترتيبه ، وحسْنُ ترتيله .

قال بعض الحكماء: الحكمة مُوقِظَةٌ للقلوب من سِنَة الغفْلة ، وَمُنْقذَة للبصائر من سَكْرَةِ الْحَيْرَة ، ومُحْيِيَة لها من مَوْتِ الجهالة ، ومُسْتَخْرِجة لها من ضيقِ الضَلالَة ؛ والعلمُ دواء للقلوب العليلة ، ومِشْحَذٌ للأذهان الكليلة ، ونورٌ في الظلمة ، وأُنْسٌ في الوَحْشَةِ ، وصاحبٌ في الوَحْدَة ، وسَمِيرٌ في الْخَلْوةِ ، ووصْلَةٌ في المجلس ، ومادَّةٌ للعقل وتَلْقيحٌ للفهم ، ونَافٍ للعِيّ المُزْرِي بأهْلِ الأحْسَابِ ، المقصِّرِ بذوي الألباب ؛ أنطق اللّه سبحانه أهله بالبيان الذي جعله صفةً لكلامه في تنزيله ، وأيدَ به رُسُلهُ إيضاحًا للمشكلات ، وفصْلًا بين الشبهات: شَرَّفَ به الوضيعَ ، وأعزَّ به الذليلَ ، وسوَّدَ به المَسُود ، من تحلَى بغيره فهو معطَّلُ ، ومن تَعَطَّل منه فهو مغفّل ، لا تُبْلِيه الأيام ، ولا تَخْتَرِمُه الدهور ، يتجدَدُ على الابتذال ، ويَزْكُو على الإنفاق ؛ للّه على ما منَّ به على عبادِه الحمدُ والشُّكْرُ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت