فهرس الكتاب
""""""صفحة رقم 106""""""
رجع إلى البلاغة
قيل لعمرو بن عبيد: ما البلاغة ؟ قال: ما بلَغك الجنَة ، وَعَدَلَ بك عنِ النار ، وبصَرَك مَوَاقع رُشْدِك ، وعواقبَ غَيّك . قال السائل: ليس هذا أُريد ، قال: من لم يُحسِن أن يسكُتَ لم يُحْسِنْ أن يَسْتَمِع ، ومن لم يُحسِنْ الاستماعَ لم يُحْسِن القولَ ، قال: ليس هذا أُريد ، قال: قال النبي ، ( صلى الله عليه وسلم ) : ' إنَّا معشرَ الأنبياء فينا بَكْءٌ ' أي قِلَةُ كلام ؛ وكانوا يكرهون أن يزيد منطقُ الرجل على عَقْله ، قال السائل: ليس هذا أريد ، قال: كانوا يخافون من فِتْنَة القولِ ومن سقطَاتِ الكلام ما لا يخافون من فِتنَةِ السكوت ، وسقَطَاتِ الصَمْتِ ، قال: ليس هذا أُريد ، قال عمرو: يا هذا ، فكأَنك تريدُ تَحْبير اللفظ في حسن الإفهام ، قال: نعم ، قال: إنَك إن أردتَ تقريرَ حُجَّةِ اللَّهِ عزَّ وجلّ في عقول المكلّفين ، وتخفيف المؤونة عن المستمعين ، وتَزْيين تلك المعاني في قلوب المُريدين ، بالألفاظ المستحسنة في الآذان ، المقبولة في الأذهان ، رغبةً في شرْعة إجابتهم ، ونَفْيِ الشواغلِ عن قلوبهم ، بالموعِظَة الحسنة على الكتاب والسنة - كنت قد أُوتيت الحكمةَ وفَصْلَ الخطابِ ، واستوجَبْت من اللّه جزيلَ الثواب ، فقيل لعبد الكريم بن روح الغِفاري: مَنْ هذا الَذِي صَبَرَ له عَمْرو هذا الصبر ؟ قال: سألتُ عن ذلك أبا حفص الشمري ، فقال: ومن يَجْتَرِئ عليه هذه الجرأة إلاَ حفص بن سالم .
وعمرو بن عبيد بن باب هو رئيسُ المعتزلة في وَقْته ، وهو أوَلُ من تكلّم على المخلوق ، واعتزلَ مجلسَ الحسن البصري ، وهو أول المعتزلة .
ودخل عمرو بن عبيد على أبي جعفر المنصور ، فقال: عِظْني ، فقال: يا أميرَ المؤمنين ، إنَ اللّه أعطاكَ الدنيا بأسْرِها ، فاشْتَرِ نفسَك منه ببعضها ؛ يا أميرَ المؤمنين ، إن هذا الأمرَ لو كان باقيًا لأحَدٍ قبلَك ما وصل إليك ، أَلمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُكَ بِعَادِ إرَمَ ذاتِ العِمادِ ؟ قال: فبكى المنصور حتى بَل ثوبه . ثم قال: حاجتَك يا أبا عثمان وكان المنصور لَمَّا دخل عليه طرَح عليه طَيْلَسانًا ، فقال: يُرْفَعُ هذا الطيلسان عني فرُفع ، فقال أبو جعفر: لا تَدَعْ إتياننا ؛ قال: نعم ، لا يضمُني وإياك بلد إلاّ دخلتُ إليك ، ولا بَدَتْ لي حاجة إلاَ سألتُكَ ، ولكن لا تُعْطِني حتى أسألك ، ولا تَدْعُني حتى آتيك ، قال: إذًا لا تأتينا أبدًا .