الصفحة 141 من 404

قال: نشدتك بالله... الثوب الذى اتزرتُ به هو ثوبك ؟ قال: اللهم نعم . فقال سلمان رضى الله عنه: أما الآن … فقل نسمع . * * * وقد عجبنا من هذا الكلام المنسوب للحسن البصرى ، وتدبرنا طويلا لنعرف بواعثه ، فرأينا أن"الحسن"جاء في أعقاب فتن مُدلهمة قسمت المسلمين طوائف يضرب بعضها عنق بعض ، وأن هذه الفتوق في كيان الدولة الإسلامية يخشى ـ لو بقيت ـ أن تطيح بالإسلام حكومة وشعبا ، وأن انصراف الناس إلى حديثها ومرائها كاد ينسيهم روح الإيمان ، وشعائر التقوى . لذلك اتجه الرجل إلى جمع العامة على صلاح القلوب ورقابة الآخرة ، مؤثرا أن يطمئن الحاكم من ناحيته بترك الكلام في سيرته وترك التعرض لسياسته ، راجيا بذلك أن يدعه الحاكم يعلم الناس الدين ويبصرهم بشرائعه وأحكامه . ونحن ـ من التجارب التى أفدناها ـ نعرف موقف"الحسن البصرى"على حقيقته ، ونحب أن ننصف الرجل . فقد جاء في أعقاب الفتنة الكبرى ، وبدأ نشاطه الدينى في ظروف صعبة . جاء بعد هزيمة"على بن أبى طالب"المؤيد من جمهرة الأمة ، وحامل لواء الحق في ذلكم الصراع الأسيف . ولم تكن هزيمة أمير المؤمنين محدودة النتائج ، إذ آل بعده الأمر إلى قلة ليست له بأهل ، كما أصيبت القيم الدينية نفسها إصابة جسيمة ، وبدا للناس أن المثل العليا لا مكان لها في ميادين الحياة ، وأن الالتحاق بالركب السائر لن يستطيعه إلا من يفر من مقتضيات الإيمان والخلق . وعلاج هذه الحال المنكرة وقع عبؤه على أمثال الحسن البصرى من العلماء الذين حرصوا على صبغ المجتمع العام بالتعاليم الإسلامية ، وتمسيك الأمة بمُثلها كلها ، وغرس الوفاء للحق في حاضرها ومستقبلها ... على أن يتحروا نهجا من التربية ص _148

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت