بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة مع الله هذا عنوان يوحى بادى الرأى أن الكتاب الذى يتناوله القارىء يتضمن معانى كثيرة من ذلك اللون المثير للخشوع ، الباعث على الإنابة ، الصاعد بالناس من دنياهم المعتمة إلى آفاق الملأ الأعلى . لعله صلوات قانتة تغمر المحاريب بالأسى الرقيق . أو دعوات مُحتبسة ترسلها عاطفة مُلتاعة ، وينغمها صوت شجى، يأذن لها رب العالمين، حين يتردد صداها بين الأرجاء، كما أذن لنبيه داود حين أوبت الجبال معه، وحومت الطير حول تسبيحه وتحميده . أو لعل الكتاب مجلى لأثار الإبداع العظيم في السموات والأرض، يحصى ما وصل إليه العلم الإنسانى من عظمة الخالق في ملكوت رحب، وعوالم تغزو بالدهش لب المتأمل في صفحاتها، الغائص وراء أسرارها، المقدس لجلال الله في علوها وسفلها وعرشها وفرشها . إن الكتاب ليس هذا، ولا ذاك . ! إنه مع الله على نحو آخر، نحو يدرج مع الإنسان في واقعه المشحون بالحركة، ويلتصق به في دنياه الطافحة بالنزاع . وهو يحرس الإيمان في تلك الميادين العملية ، ويتابع خطوة هنا وهناك ليطمئن على سلامة الوجهة واستواء الطريق . أجل ، فكم من لحظات مشرقة يصنعها التفكير العالى ، أو تضيئها السبحات الطهور، فإذا تعرضت لعراك الأحياء، وتيار الحياة فكما تتعرض الشعلة اللطيفة للرياح الهوج، لا تلبث أن تذهب بها.. ثم يعتكر الظلام . أو كما يحتفظ الخطيب الناشىء بالكلمات التى يريد إلقاءها، فإذا وقف بين الناس شدهته روعة الموقف فلا يدرى ما يقول . !
ص _004