إن هناك إيمانا أساسه الخيال، أو الشعور الموقوت، أو التأثر العاجل. وإيجاد هذا الإيمان سهل، وسمو المرء به حينا ممكن. ولكن الإسلام يبتغى إيمانا يصحب المرء في أحيانه كلها، ويصبغ أحواله المتباينة بصبغة ثابتة، ويظل معه في صحواته وغفواته، في بيعه وشرائه، في صداقته وخصومته، في فرحه وفى ترحه، في وحدته وعشرته . وهو بهذا الإيمان يكون مع الله ، أو يكون الله معه . لأن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون . والإسلام حين شرع الصلوات التى تقف الإنسان بين يدى ربه مناجيا ومناديا فرض عليه فيها قراءات تصله بالله عن هذا الطريق العملى . فهو مع فاتحة الكتاب يقرأ آيات ذات موضوعات وثيقة الأواصر بدنيا الناس. فيها الوعظ الزاجر، وفيها التشريع المتعلق تارة بالمواريث، وتارة بالديون، وتارة بالحروب ، وتارة بالآداب العامة . وفيها الكلم الوصاف للكون، الجواب مع الأفلاك، المتحدث عما سكن في الليل والنهار. وفيها القصص المتتبع للأحداث، الراوى لأفعال الأولين ومصايرهم، كى يعتبر بها أولو الأبصار. هذه الصلوات هى مناجاة لله لا ريب، ولكنها مناجاة لرب يطلب من عباده أن يطلبوا وجهه، وهم في مشاغل العيش، وقضايا الدنيا الملأى بالعقد. وأن يجعلوا هذه الساعات بين يديه دعائم لإحسان ما يليها من سائر العمر. والمشكلة- في نظرى- هى كيف نمد ساعات الصفاء الروحى في حياتنا، فلا تطغى عليها طباع السوء، ولا تجرفها أكدار الدنيا وأهواؤها؟ إن بدايات الخير في بعض الناس قد تنقطع فلا تتصل أبدا. لماذا؟ لأن المرء إذا استرسل مع داعى الفتنة، واستجاب لإغراء الشيطان، كان كالسابح ضد الشاطىء . مهما ضرب بذراعيه فالغرق لا محالة مدركه . ومهما ارتفعت الأصوات به فأنى يجد صخرة يرسو عليها ؟ ص _005