الصفحة 44 من 404

وإنما ورد على هذا الأسلوب البديع متضمنا لجميع من تمسك بهدى نبى سابق وانتسب إلى شريعة سماوية ماضية ، ليدل على أن الجزاء السابق وإن حكى على أنه من خطأ اليهود خاصة ، لم يصبهم إلا لجريمة قد تشمل الشعوب عامة وهى الفسوق عن أوامر الله وانتهاك حرماته . فكل من أجرم كما أجرموا سقط عليه من غضب الله ما سقط عليهم . وعلى أن الله جل شأنه لم يأخذهم بما أخذهم لأمر يختص بهم على أنهم من شعب إسرائيل أو من ملة يهود ، بل: (ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون) . وأما أنساب الشعوب ، وما تدين به من دين ، وما تتخذه من ملة ، فكل ذلك لا أثر له في رضاء الله ولا غضبه ، ولا يتعلق به رفعة شأن قوم ولا ضعتهم . بل عماد الفلاح ووسيلة الفوز بخيرى الدنيا والآخرة إنما هو صدق الإيمان بالله تعالى بأن يكون التصديق به سطوعا على النفس من مشرق البرهان ، أو جيشانا في القلب من عين الوجدان ، فيكون الاعتقاد بوجوده وصفاته خاليا من شوب التشبيه والتمثيل ، ويكون اليقين في نسبة الأفعال إليه خالصا من وساوس الوهم والتخييل ، ويكون المؤمن قد ارتقى بإيمانه مرتقى يشعر فيه بالجلال الإلهى . فإذا رفع بصره إلى الجناب الأرفع أغضى هيبة وأطرق إلى أرض العبودية خشوعا . وإذا أطلق نظره فيما بين يديه ، مما سلطه الله عليه ، شعر في نفسه عزة بالله ، ووجد فيها قوة تصرفه بالحق فيما يقع تحت قواه . لا يعدو حدا ضرب له ، ولا يقف دون غاية قدر له أن يصل إليها . فيكون عبدا لله وحده ، سيدا لكل شيء بعده . كتب ما تقدم الأستاذ الإمام بقلمه إذ اقترحت أن يكتب تفسير الآية كما قرره في درسه و إننى أتمه على المنهج الذى جريت عليه فأقول: هذا هو الإيمان المرضى عند الله تعالى الذى يكون أصلا لتهذيب أخلاق صاحبه ، ومصدر الأعمال الحسنة في مسلكه . وللإيمان إطلاق آخر ، وهو التصديق بالدين في الجملة ( أى الإيمان بالله: وبأن ما جاء به فلان النبى مثلا هو صحيح غير مكذوب على الله تعالى

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت