الصفحة 50 من 404

(وأقول) عبارته في كتاب"فيصل التفرقة"فى هذا الصنف هى: وصنف ثالث بين الدرجتين بلغهم اسم محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، ولم يبلغهم نعته وصفته ، بل سمعوا منذ الصبا أن كذابا مدلسا اسمه محمد ، ادعى النبوة كما سمع صبياننا أن كذابا يقال له المقفع ( لعنه الله ) تحدى بالنبوة كاذبا . فهؤلاء عندى في معنى الصنف الأول. فإن أولئك مع أنهم لم يسمعوا اسمه ، لم يسمعوا ضد أوصافه . وهؤلاء سمعوا ضد أوصافه ، وهذا لا يحرك داعية النظر في الطلب . وأقول في حل معنى الآية على هذا: إن أهل الأديان الإلهية ـ وهم الذين بلغتهم دعوة نبى على وجهها وبشرطها ـ إذا آمنوا بالله واليوم الآخر على الوجه الذى بَيَّنه نبيهم وعملوا الأعمال الصالحة فهم ناجون مأجورون عند الله تعالى. وإذا آمنوا على غير الوجه الصحيح كالمشبّهة والحلولية والاتحادية وغيرهم فلا ينالهم من هذا الوعد شىء ، بل يتناولهم الوعيد المذكور في الآيات الأخرى. وكذلك حال الذين يؤمنون بأقوالهم دون أعمالهم . فإن الإيمان الصحيح هو صاحب السلطان الأعلى على القلب والإرادة التى تحرك الأعضاء في الأعمال . فإن نازعه في سلطانه طائف من الشهوة فإنه لا يلبث أن يقهره: (إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون) . ثم أزيد الآن على ما تقدم أن كل هذه الأقوال والتفصيلات إنما هى في المؤاخذة على اتباع دعوة الرسل وعدمها . ولا يعقل أن يكون من لم تبلغهم الدعوة بشرطها ، أو مطلقا ناجين على سواء ، وأن يكونوا كلهم في الجنة كأتباع الرسل في الإيمان الصحيح والعمل الصالح . إذ لو صح هذا لكان بعث الرسل شرا من عدمه ، بالنسبة إلى أكثر الناس . والمعقول الموافق للنصوص أن الله تعالى يحاسب هؤلاء الذين لم تبلغهم دعوة ما بحسب ما عقلوا واعتقدوا من الحق والخير ومقابلهما"أ. هـ . * * * ص _055"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت