فهرس الكتاب
والسير"توماس أرنولد"بهذه الشواهد التى ساقها ، وبذلك الحكم الذى أصدره كان رجلا عالما عادلا ، لم يسمح للتعصب أن ينسج على عينيه غشاوة تعمى عليه الحق ، ولا أن ينسج على ضميره حجابا يجور به في الحكم ... ومن ثم قلنا: إن هذا المستشرق أدنى رفاقه جميعا إلى النصفة وأقصاهم عن متابعة الهوى . ولعل من صدعه بالحق أن يقرر ـ في هدوء ـ كون الدولة جزءا من الإسلام . فإن بعض المفتونين ـ تأثرا بالغزو الثقافى الصليبى ـ كان يمارى في شمول الإسلام للعقيدة والشريعة ، والأدب النفسى ونظام المجتمع ، ولشعائر العبادة ، ومراسيم الحكم ... مع أن نصوص القرآن وسيرة الرسول قاطعتان في أن الإسلام دين روحى ومدنى معا ، وأنه للفرد والجماعة والدولة دون تفريق . وفى ذلك يقول صاحب"الدعوة إلى الإسلام"تحت عنوان"محمد مؤسس هيئة سياسية منظمة":"… ولنعد الآن إلى تتبع حياة"محمد"فى المدينة . ولكى نقدر موقفه بعد الهجرة تقديرا حقيقيا ، ينبغى أن نذكر ما اتصف به المجتمع العربى في ذلك الحين من طابع خاص ، فيما يتعلق بهذا الجزء على الأقل من شعب الجزيرة . لم يكن يوجد إطلاقا أى منهج منظم للإدارة أو القضاء كالذى نعرفه عن فكرة الحكومة في العصر الحديث . كانت كل قبيلة أو عشيرة تؤلف جماعة منفصلة ومستقلة تمام الاستقلال ، بل قد ينسحب هذا الاستقلال أيضا على أفراد القبيلة أنفسهم . فكل فرد منهم لا يعتبر زعامة شيخ القبيلة أو سلطته إلا رمزا لفكرة عامة ، شاءت الظروف أن يأخذ هو منها بنصيب . بل لقد كان له مطلق الحرية في أن يرفض ما اجتمع عليه رأى الكثرة من أبناء قبيلته. وأبعد من هذا ، أنه لم يكن هناك نظام لتنقل سلطة الرئيس عند انتهاء أمده . إذ كان يختار لها غالبا أكبر أفراد القبيلة سنا ، وأكثرهم مالا ، وأعظمهم نفوذا ، وأجدرهم بكسب الاحترام الشخصى . ص _100"