الصفحة 115 من 315

و الخامس هو المحقق ابن قيم الجوزية ، تناول مسألة بقاء الخضر حيا في كتابه المنار المنيف ، قرر فيه أن كل الأحاديث التي ذكرت إن الخضر ما يزال حيا هي أحاديث مكذوبة ، و لا يصح في حياته حديث واحد ، كحديث (( يلتقي الخضر و إلياس كل عام ... ) )، و (( يجتمع بعرفة جبريل و ميكائيل و الخضر ... ) )، و (( إن رسول الله -عليه الصلاة و السلام- كان في المسجد فسمع كلاما من ورائه ، فذهبوا ينظرون فإذا هو الخضر ) )، هذه الأحاديث و غيرها هي كلها كذب (1) .

و الأخير-أي السادس- هو الحافظ ابن كثير ، ذكر أن كثيرا من أهل العلم قالوا إن الخضر و إلياس ما زالا على قيد الحياة ، و لهم في ذلك روايات ، لكنه قرر أنه لم يصح منها شيء ، و أن الذي يقوم عليه الدليل هو أنهما قد ماتا (2) .

و يتبين مما ذكرناه أن هؤلاء النقاد قد سبقوا ابن خلدون في ردهم لروايات بقاء الخضر حيا ، معتمدين في نقدهم لها على المنقول و المعقول، كان ابن الجوزي أكثرهم توسعا في رده لها . وأما عن موقفنا من مسألة بقاء الخضر حيا ، فنحن نرفضها جملة و تفصيلا ، أولا لأنها تتعارض مع المعروف الثابت من حياة البشر ،و هو أنه لا أحد يخلد في هذه الدنيا . و ثانيا أنه ليس لنا فيها دليل من الشرع و لا من العقل ، و ما هي إلا خرافة و دعوى باطلة ، و الدعوى لا يعجز عنها أحد ، و المدعي هو المطالب بالدليل لإثبات دعواه ،و ليس المنكر لها . فعلى القائلين ببقائه حيا أن يُظهروه لنا جهارا نهارا لكي نراه ، و إلا فزعمهم مردود عليهم .

و ختاما لهذا الفصل يتبين مما ذكرناه أن ابن خلدون نقد طائفة من الروايات طبق عليها منهجه النقدي الذي عرضه في مقدمته ، وُفق في تطبيقه عليها ، لكنه سُبق إلى بعضها ، فقد سبقه إليها نُقاد آخرون لم يشر هو إليهم ، و لا ندري هل نقل ذلك عنهم و تعمد إغفالهم ، أم أن ذلك كان مجرد اتفاق فقط؟ ! .

(1) المنار المنيف ، ص: 58-59 .

(2) البداية و النهاية ، ج 1 ص: 337 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت