الصفحة 118 من 315

و رواية ابن خلدون لتلك الأحاديث الضعيفة و سكوته عنها هو خطأ فاحش ، كان عليه أن يتجنبه ، لأنه نسب إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما لم يثبت أنه قاله ، و لأنه أوقع القارئ لمقدمته في الخطأ ، عندما جعله يتعبد بأحاديث و يعتقد أنها لرسول الله ، وهي ليست له .

لكنه -مقابل ذلك - أورد في مقدمته أحاديث أخرى صحيحة ، منها قوله عليه الصلاة و السلام (( إن فيكم محدثين ، و إن منهم عمر ) )، ذكره دون الإشارة لدرجته و راويه ، لكنه حديث صحيح ، رواه البخاري بلفظ مغاير بعض الشيء و المعنى واحد (1) . و الحديث الثاني قوله عليه الصلاة و السلام: (( اللهم اِمض لأصحابي هجرتهم ،و لا تردهم على أعقابهم ) ) (2) . ذكره ابن خلدون دون الإشارة لدرجته ، و هو حديث صحيح أخرجه البخاري (3) و غيره .

و الحديث الثالث قال فيه ابن خلدون: (( و في الصحيح أن النبي -صلى الله عليه و سلم- قال: الرؤيا ثلاث:( رؤيا من الله ، و رؤيا من الملك ، و رؤيا من الشيطان ) )،و قد ذكر ابن خلدون هذا الحديث عندما تكلم عن الرؤيا و أنواعها و قسمها إلى ثلاثة أنواع ، و هي: رؤيا من الله ، و رؤيا من الملك ، و رؤيا من الشيطان ، ثم ذكر أن ذلك الحديث يتطابق مع ما ذكره هو عن أصناف الرؤيا (4) .

لكنني لما رجعتُ إلى المصادر الحديثية لم أجد الحديث كما رواه هو بالضبط ، و إنما وجدته يخالف ما رواه هو بعض الشيء ، و ممضمونه أن الرؤيا ثلاث: بُشرى من الله ، و حديث النفس ، و تخويف من الشيطان (5) . فلا توجد فيه رؤيا من الملك ، ذكرها محل حديث النفس ، مع الاختلاف في اللفظ بين الحديثين كما هو واضح ، و لعل ذلك سهو منه .

(1) البخاري: الصحيح ، ج 3 ص:1349 .

(2) المقدمة ، ص: 99 .

(3) صحيح البخاري، ج 4 ص: 1600 .

(4) المقدمة ، ص: 84 .

(5) مسلم: صحيح مسلم ، ج4 ص: 1773 . و ابن ماجة: السنن ، ج 2ص: 1285 . و ابن حجر: فتح الباري ، ط12 ص: 369 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت